يرى ديبلوماسي سابق، أن موقف وليد جنبلاط الأخير من “اتفاق الإطار”، وتمسّكه بالعودة إلى اتفاقية الهدنة والقرار 1701، يفتح باباً واسعاً للمقارنة بين موقفه الحالي وموقفه من اتفاق 17 أيار عام 1983، معتبراً أن المفارقة لا تكمن في تبدّل الموقف بحدّ ذاته، بل في أن ما كان مرفوضاً في ذلك الزمن لأسباب سياسية وإقليمية، بات يُطرح اليوم في سياق مختلف تماماً.
ويقول الديبلوماسي، إن جنبلاط كان إلى جانب الرئيس نبيه بري، من أبرز المعارضين لاتفاق 17 أيار، انطلاقاً من اعتباره أن الإتفاق في ظروف الإحتلال الإسرائيلي والحرب الأهلية والإنقسام اللبناني، كان يمكن أن يؤدي إلى تكريس النفوذ الإسرائيلي، وإخراج لبنان من بيئته العربية. أما اليوم، فإن جنبلاط لا يطرح اتفاقاً سياسياً مع إسرائيل، بل يدعو إلى استعادة اتفاق الهدنة وربطه بالقرار 1701، أي إلى إطار أمني ودولي يفصل بين معالجة الحدود وبين أي اعتراف سياسي أو تطبيع.
ويعتبر الديبلوماسي السابق، أن “هذه هي النقطة التي تفسّر، إلى حدّ بعيد، ما يبدو تناقضاً بين الأمس واليوم”، فاتفاق 17 أيار كان اتفاقاً سياسياً وأمنياً جرى التفاوض عليه في ظل الإحتلال، بينما الهدنة تشكل إطاراً مختلفاً لتنظيم الوضع العسكري على الحدود، ويمكن تفعيلها من دون الدخول في مسار سلام أو تطبيع.
لكن الأهم، برأي الديبلوماسي، أن جنبلاط لا يكتفي برفض “اتفاق الإطار”، بل يقدم بديلاً واضحاً، وهذا يعني أن موقفه ليس رفضاً للتفاوض أو لمعالجة الوضع في الجنوب، وإنما رفض لصيغة يعتبر أنها قد تقود إلى ترتيبات مباشرة مع إسرائيل خارج الأطر الدولية والعربية التقليدية.
ويضيف، أن تبنّي الهدنة والـ1701 يحمل، في المقابل، نتائج سياسية وأمنية لا يمكن فصلها عن جوهر الأزمة اللبنانية، وفي مقدمها تعزيز سلطة الدولة على الحدود وحصر القرار العسكري والأمني بالمؤسسات الشرعية، وفي طليعتها الجيش اللبناني.
وهنا، وفق الديبلوماسي السابق، تكمن أهمية موقف جنبلاط، وربما حساسيته أيضاً، “إذا كان الرجل يعني فعلاً ما يقوله، فإن العودة إلى الهدنة ليست مجرد شعار ديبلوماسي، بل تعني فتح نقاش جدي حول مستقبل السلاح في الجنوب ودور الجيش ومسؤولية الدولة عن حماية الحدود، لا سيما وأن اتفاق الهدنة في مضمونه يمنع وجود أي قوة مسلّحة غير الجيش اللبناني على الجانب اللبناني من الحدود.
ويرى الديبلوماسي، أن رد جنبلاط على السفير الأميركي ميشال عيسى، يعكس محاولة لرسم خطوط حمراء لبنانية أمام أي صيغة جديدة، لا لاتفاق سياسي مباشر مع إسرائيل، نعم لإطار دولي ينظّم الحدود، ونعم لتطبيق القرار 1701 وتعزيز دور الدولة.
ويعتبر الديبلوماسي السابق، أن جنبلاط “لا يقبل اليوم بما رفضه في 17 أيار بالمعنى الحرفي، بل يعيد استخدام فكرة كانت مطروحة آنذاك كبديل عن الإتفاق، بعدما تبدّلت الظروف الإقليمية والدولية”. ويضيف أن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا غيّر جنبلاط موقفه، بل إلى أي مدى هو مستعد للذهاب في النتائج المترتبة على الهدنة التي يدعو إليها؟
فإذا كانت الهدنة تعني، فعلاً، تثبيت سلطة الدولة وحصرية القرار العسكري بيد الجيش، فإن موقف جنبلاط قد لا يكون مجرد رد سياسي على واشنطن، بل محاولة لطرح صيغة لبنانية بديلة، كإنهاء الحرب وترتيب الحدود من دون الذهاب إلى اتفاق سلام مع إسرائيل.
