تستعد الولايات المتحدة لإعادة عدد من دبلوماسييها إلى سفارتها في بيروت، بعدما كانت قد خفّضت طاقمها واتخذت إجراءات طوارئ مع تصاعد الحرب مع إيران واتساع خطرها على المنطقة. ورغم أن الخطوة تبدو إدارية في ظاهرها، فإن اختيار بيروت لتكون من أولى المحطات التي يعود إليها الموظفون الأميركيون يحمل دلالة سياسية وأمنية تتجاوز أبواب السفارة.

وبحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، استند إلى وثيقة داخلية في وزارة الخارجية الأميركية، بدأت واشنطن مراجعة التدابير الاستثنائية التي اتخذتها في بعثاتها في الشرق الأوسط، تمهيداً لإعادة الموظفين إلى سفارات عدة، من بينها لبنان وإسرائيل والسعودية وقطر والأردن وسلطنة عمان والعراق والكويت.

ونقلت وكالة “رويترز” أن أول الدبلوماسيين العائدين سيُرسلون إلى السفارة الأميركية في لبنان، على أن يبقى عدد العاملين فيها دون المستوى الكامل، مع تحديد سقف أولي يوازي نحو 85% من طاقمها المعتاد. إلا أن الوكالة أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الوثيقة، فيما اكتفت الخارجية الأميركية بالقول إنها تعدّل وضع موظفيها في بعض بعثات المنطقة بناءً على تقييماتها الأمنية المستمرة.

ولا تعني هذه العودة أن واشنطن تعتبر الخطر في لبنان قد انتهى، فالجنوب لا يزال تحت النار، والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تراوح مكانها، واحتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع لا يزال قائماً. لكنها تعني أن التقدير الأميركي لم يعد يقوم على فرضية اندلاع حرب إقليمية شاملة ووشيكة مع إيران، بعدما كانت هذه الفرضية وراء خفض الطواقم وإجلاء الموظفين غير الأساسيين.

وتكتسب بيروت أهمية خاصة في هذه المرحلة لأنها لم تعد مجرد عاصمة تراقب منها واشنطن التطورات اللبنانية. السفارة الأميركية ستكون في قلب الملفات المفتوحة، بدءاً من المفاوضات مع إسرائيل ومصير “المناطق التجريبية”، مروراً بآلية التحقق ومستقبل “اليونيفيل”، وصولاً إلى دعم الجيش وإعادة الإعمار وملف سلاح حزب الله والعلاقة المتوترة بين لبنان وإيران.

ومن هذه الزاوية، قد تكون إعادة الدبلوماسيين استعداداً لمرحلة أكثر نشاطاً أميركياً في لبنان، لا مجرد عودة إلى العمل الطبيعي. فواشنطن تحتاج إلى طاقم أكبر لمتابعة المفاوضات، وإدارة الاتصالات مع الرئاسات والجيش والأحزاب، ومراقبة تنفيذ أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية قد تنتج عن المحادثات الجارية.

كما تأتي الخطوة في توقيت بدأت فيه الولايات المتحدة الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران إلى الضغط الاقتصادي والسياسي. وإذا ثبت هذا التحول، فقد يصبح لبنان إحدى ساحات هذا الضغط، سواء عبر العقوبات وشبكات التمويل أو عبر تشديد المطالب بحصر السلاح بيد الدولة وتقليص الحضور الإيراني السياسي والأمني.

لكن عودة الموظفين لا تساوي عودة الاستقرار. إنها، في أفضل الأحوال، مؤشر إلى أن واشنطن ترى أن مستوى الخطر الإقليمي تراجع بما يكفي لإعادة تشغيل سفارتها بقوة أكبر. أما في لبنان، فقد يكون المعنى الأهم أن الولايات المتحدة تستعد لزيادة حضورها في لحظة تتقرر فيها خريطة الجنوب، وهوية القوة التي ستخلف “اليونيفيل”، ومستقبل المفاوضات، وحدود الدور الإيراني.

واشنطن، إذاً، لا تعيد دبلوماسييها إلى بيروت لأنها أغلقت ملف لبنان، بل على الأرجح لأنها تستعد لفتحه على نطاق أوسع.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version