كتبت رينيه ابي نادر في موقع MTV
“إذا غيّمت بالصّين، بتشتّي عنّا”. ينطبق هذا المثل على لبنان الذي تأثّر كثيراً بالصّراع في الشّرق الأوسط وبأزمة مضيق هرمز، حيث ارتفعت الأسعار رغم أنّ سلاسل الإمداد لم تتأثّر. لكن لبنان، للأسف، لن يكون بمنأى عن الصّراع الدّائر في البحر الأسود، بين روسيا وأوكرانيا، حيث تصاعدت الهجمات، وأصبح ما يجري يُنذر بأزمة عالميّة، قد تشمله.
يُؤكّد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفيسور جاسم عجاقة، أنّ “المشكلة في البحر الأسود تجاوزت مرحلة الاحتمال، وباتت الهجمات بين أوكرانيا وروسيا واقعاً على الأرض، حيث تُشير بيانات إلى أنّ أكثر من 97 في المئة من الطّاقة التّصديريّة للحبوب الرّوسيّة والأوكرانيّة عبر البحر الأسود توقّفت، والملاحة المدنيّة متوقّفة”.
ويقول، في حديث لموقع MTV: “ارتفعت أسعار القمح أكثر من 6 في المئة خلال شهر واحد، وأكثر من 30 في المئة مقارنةً بالعام الماضي”، لافتاً إلى أنّ “البحر الأسود مهمّ جداً بالنّسبة للبنان، فاستهلاك اقتصادنا قائم على الاستيراد، وأكثر من 80 في المئة من حاجاتنا الغذائيّة مُستوردة، ولم يعد لبنان يملك إهراءات منذ تفجير مرفأ بيروت، وبالتّالي، ليس لدينا مخزون استراتيجيّ، لذا، فإنّ أقلّ أزمة ستعرّض السّوق اللّبنانيّ للخطر”.
ويوضح عجاقة، أنّه “وفق البنك الدوليّ، يستورد لبنان حوالى 70 في المئة من القمح من أوكرانيا، ويستورد في عامٍ واحدٍ حوالى 680 ألف طن، لذا، إغلاق البحر الأسود وتحوّله الى منطقة نزاع، سيرتدّ تلقائيّاً على الاقتصاد اللّبنانيّ من خلال 4 قنوات:
الأسعار: سعر تكلفة القمح سيرتفع لأنّنا سنضطرّ للاستيراد من دول أخرى.
المصدر: لن يكون هناك أي مصدر لشراء القمح منه أي، ليس هناك احتياطيّ من القمح، ما سيُولّد أزمة خبز، ومشكلة أمن غذائيّ في لبنان.
الشّحن والتّأمين: سترتفع أسعار التّأمين تلقائياً، وهو ما شهدناه عند إغلاق مضيق هرمز، حيث ارتفعت الأسعار 400 في المئة، كما سترتفع كلفة الشّحن، لأنّ أسعار البترول ستزيد، وسينتج عن كلّ ذلك اضطراب في سلاسل التّوريد”.
المخزون من العملات الأجنبيّة: في حال استورد لبنان من دول أخرى، فلنفترض من فرنسا مثلاً، سيكون السّعر أعلى، والفرق بين الدّولار واليورو سيخلق مشكلة وسينعكس على الكتلة النّقديّة الموجودة بالدّولار في السّوق اللّبنانيّ ما سيُؤدّي إلى تضخّم مستورَد”.
ويُشير إلى مساراتٍ بديلة مثل رومانيا، بلغاريا، فرنسا، أستراليا، الأرجنتين، كندا، والهند، لافتاً إلى أنّ “رومانيا الأكثر ترشيحاً للاستيراد منها، فهي تُطلّ على البحر الأسود إلا أنّ هناك منافسة في الأسعار من قبل مصر والجزائر. أمّا بلغاريا، فقريبة، لكنّ الكمّيّات محدودة، والأسعار مرتفعة، أمّا أستراليا والأرجنتين وكندا فمشكلتها تكمن في المسافات البعيدة بالنّسبة إلى لبنان وكلفة الشّحن المرتفعة، فيما مشكلة الاستيراد من الهند تقنيّة، لأنّ مواصفات القمح لديها ليست نفسها في لبنان، والمطاحن اللّبنانيّة غير قادرة على التعاطي مع هذا النّوع من القمح”.
ويوضح عجاقة أنّه “كلّما طالت المسارات البحريّة، كلّما زادت كلفة الشّحن، ما سيُؤدّي إلى زيادة الكلفة على اللّبنانيّين”، مُعتبراً أنّ “البدائل البرّية نقطة مهمّة، وممكن أن تكون هناك فرصة حقيقيّة للاستيراد من الهند عن طريق البرّ، أي من الهند إلى الإمارات فالسّعودية ثمّ الى الأردن فسوريا ولبنان”.
ويُتابع: “يمكن أن نستورد القمح من تركيا، لكنّ القمح التّركيّ قاسٍ وهناك مشكلة لوجستيّة والطّريق غير آمنة من سوريا إلى تركيا والبنية التّحتيّة غير صالحة”.
ما هي السّيناريوهات الاقتصاديّة المحتملة؟ يشرح عجاقة، قائلاً: “قد يغلق البحر الأسود جزئيّاً، وهو احتمال قائم، ما يرفع الأسعار بحدود الـ 20 في المئة، وهذا الأمر سيُؤثّر مباشرةً على لبنان، أمّا احتمال الإغلاق الكلّي فضئيل، وهذا الأمر سينتج عنه، إذا ما حصل، أزمة خبز”.
ويُضيف: “الاستيراد من أوكرانيا إلى رومانيا برّاً ثمّ عبر البحر الى لبنان سيرفع التّكلفة حوالى 15 في المئة”، لافتاً إلى أنّ “لبنان معرّض لصدمة لأنّ اقتصاده غير محصّن، ونعتمد على استيراد القمح بنسبة 70 في المئة من أوكرانيا و30 في المئة من روسيا، والبدائل ليست سهلة وليس هناك تنويع للمصادر”.
ويدعو عجاقة “الحكومة إلى بناء إهراءات، فمن المستحيل أن نبقى من دونها”، مُشدّداً على “ضرورة تفعيل المفاوضات مع دول عدّة للاستيراد منها، وعلى الحاجة الى زراعة القمح في لبنان”.
