أشعل محسن رضائي، الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وممثل المرشد مجتبى خامنئي في المجلس، عاصفة سياسية داخل إيران، بعدما أطلق سلسلة مواقف متشددة شملت التهديد بوقف صادرات النفط بالكامل، والتحذير من التعامل مع الدول المشاركة في الضغط الاقتصادي الأميركي، وصولًا إلى تلميح حساس أعاد فتح النقاش بشأن مستقبل العقيدة النووية الإيرانية.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، أثارت تصريحات رضائي خلال الأيام الأخيرة جدلًا واسعًا، ليس بسبب مضمونها فقط، بل أيضًا بسبب التساؤلات حول ما إذا كان يعبر عن السياسة الأمنية الرسمية لإيران، أو عن موقف المرشد، أو عن آرائه الشخصية.
وكان رضائي قد كتب الأحد عبر منصة “إكس” أن طهران ستعتبر أي دولة تشارك في الحرب الاقتصادية الأميركية ضد إيران أو تدعمها كأنها ارتكبت عملًا حربيًا.
وقال: “إذا استمرت الحرب الاقتصادية، فلن يتم تصدير قطرة نفط واحدة، لا عبر مضيق هرمز ولا من أي مكان في الخليج”.
وجاء هذا الموقف في وقت كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يطلقان رسائل مختلفة بصورة واضحة.
وكان بزشكيان قد قال الجمعة إنه من الأفضل إنهاء الحرب بينما تكون إيران في موقع “القوة والكرامة”، فيما حذر قاليباف قائلًا: “مهما بلغت قوتنا العسكرية، فلن نصمد إذا كان الشعب جائعًا”.
وسرعان ما تحولت الفجوة بين تصريحات رضائي ومواقف كبار المسؤولين الإيرانيين الآخرين إلى محور أساسي في السجال السياسي الداخلي.
وأشادت صحيفة “همشهري” المحافظة والمتشددة، الاثنين، برضائي، معتبرة أنه قدّم “بديلًا عن لغة الضعف والاستسلام” التي يعتمدها مسؤولون آخرون، في إشارة إلى تصريحات بزشكيان وقاليباف.
ووفق الصحيفة، فإن مقاربة رضائي لا تقوم على إنكار الضغط الاقتصادي، ولا تقتصر على محاولة تحييد العقوبات، بل تهدف إلى جعل الحصار الاقتصادي مكلفًا للجهات التي خططت له وتدعمه.
في المقابل، شككت أوساط إصلاحية في إيران في صلاحية رضائي لإعلان سياسة من هذا النوع من دون قرار رسمي صادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.
وبحسب ما أورده موقع “إيران إنترناشيونال” المعارض، ترى هذه الأوساط أن مهمة أمين المجلس تتمثل في إدارة عمل المجلس ونقل قراراته، وليس رسم السياسة بصورة مستقلة، خصوصًا أن الرئيس بزشكيان هو من يترأس المجلس.
ووجّه النائب الإصلاحي السابق محمود صادقي رسالة مباشرة إلى رضائي عبر “إكس”، كتب فيها: “المقعد الذي تجلس عليه هو أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وليس رئاسة الجمهورية”.
ورغم الانتقادات الإصلاحية، يستند رضائي إلى واقع سياسي يمنح تصريحاته وزنًا إضافيًا، إذ عُيّن خلال الأسابيع الأخيرة في منصبه من جانب خامنئي نفسه، ما يعطي مواقفه، وفق التقرير، طابعًا رسميًا وسياسيًا أقوى.
كما أن مواقف رضائي المتشددة تعكس، إلى حد كبير، التحول الذي طرأ على مجمل القيادة الإيرانية منذ بداية الحرب، إذ أصبحت أكثر تشددًا، فيما تراجع وزن التيار الإصلاحي مقارنة بالماضي.
لكن الجدل أخذ بعدًا أكثر حساسية عندما انتقل رضائي من ملف الحرب الاقتصادية وصادرات النفط إلى مستقبل السياسة النووية الإيرانية.
وفي مقابلة بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، قال رضائي إن الهجمات الأميركية أثبتت، بحسب رأيه، أن العضوية في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يضمنان حماية أي دولة من التعرض لهجوم عسكري.
وأضاف: “عندما تشن أميركا حربًا كهذه، يسأل الناس في العالم بصورة طبيعية: لماذا لا نطور نحن أيضًا سلاحًا نوويًا؟”.
وذهب رضائي أبعد من ذلك، معتبرًا أن السلاح النووي “قد يكون أرخص وأكثر فاعلية” من امتلاك مئات طائرات “إف-35” وإنفاق مبالغ ضخمة على قدرات عسكرية أخرى.
ومع ذلك، لم يقل رضائي إن إيران قررت تطوير قنبلة نووية، كما لم يقدم أي تصريح يفيد بأن إيران تعمل أو عملت على تطوير سلاح نووي.
ورغم ذلك، فسّرت بعض الأوساط المتشددة في إيران كلامه باعتباره دعوة إلى إعادة النظر في العقيدة النووية للبلاد.
وكتب الصحافي المتشدد نظام الدين موسوي أنه يأمل أن يكون تحليل رضائي مقدمة لخروج إيران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ولتغيير عقيدتها النووية.
كما أشارت صحيفة “همشهري” إلى أن رضائي أعاد طرح سؤال القنبلة النووية، من دون أن يقدمه صراحة باعتباره موقفًا رسميًا للدولة الإيرانية.
وفي موازاة ذلك، قال عبد الله رمضان زاده، المتحدث باسم الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي، إن صلاحيات رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي وأمينه وأعضاء المجلس وممثلي المرشد محددة كل على حدة.
وأوضح أن دور أمين المجلس، أي رضائي، يتمثل في التحضير لاجتماعات المجلس ونقل قراراته تحت إشراف رئيسه، أي بزشكيان.
إلا أن المتشددين يرفضون هذا التفسير، ويشيرون إلى الدور الإضافي الذي يشغله رضائي بوصفه ممثلًا للمرشد في المجلس.
وكان رضائي قد شغل منصب المستشار العسكري للمرشد مجتبى خامنئي خلال الحرب، قبل تعيينه ممثلًا له في المجلس الأعلى للأمن القومي.
وبالتوازي، عيّنه بزشكيان أمينًا للمجلس، بعد صدور مرسوم صريح من خامنئي.
ويرى مؤيدو رضائي أن الجمع بين المنصبين يمنح تصريحاته وزنًا سياسيًا ورسميًا يفوق بكثير وزن أي أمين عادي للمجلس، فيما ذهب بعضهم إلى اعتبار أن الهجوم عليه هو في الواقع هجوم على المرشد نفسه.
وفي هذا السياق، قدم الصحافي المحافظ إحسان صالحي تصريحات رضائي باعتبارها جزءًا من استراتيجية تصعيد مقصودة، تقوم على الرد بصورة أكثر تشددًا مع كل مرحلة جديدة من الضغط الأميركي.
وقال صالحي: “كل مرحلة جديدة من الضغط والتوتر تجعل سلوك إيران أكثر تعقيدًا وتشددًا وتُبعد الحل”.
وبذلك، لم يعد الجدل حول رضائي يتعلق فقط بالخطوات التكتيكية التي ينبغي على إيران اتخاذها في مواجهة الضغوط الأميركية، بل بات يطال سؤالًا أكثر حساسية داخل النظام نفسه: من يملك صلاحية تحديد المدى الذي يمكن لطهران الذهاب إليه، سواء في وقف صادرات النفط أو في إعادة فتح النقاش حول الخيار النووي؟
