في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان أمام استحقاقات متداخلة بين المسار الدبلوماسي والميدان، فيما تبقى المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية رهينة التطورات والنيات الإسرائيلية والدور الأميركي، بالتزامن مع تحولات إقليمية قد تعيد رسم خريطة التوازنات من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن. وفي الداخل، تتقدم ملفات الدولة والاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، وسط محاولات لفتح قنوات جديدة مع الدول العربية، ولا سيما السعودية والإمارات، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب والاعتداءات الإسرائيلية ترخي بثقلها على المشهد اللبناني.

وبين التفاؤل الحذر والتحذير من الأسوأ، وضع الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي قراءة شاملة للمرحلة، من مستقبل المفاوضات إلى أداء الدولة، ودور الجيش، والاستثمار وإعادة الإعمار.

ورأى العريضي في حديث الى “ليبانون ديبايت” أن الأيام القليلة المقبلة ستكون “مفصلية”، معتبرًا أن لبنان يقف أمام “وقت ضائع، لكنه وقت قاتل”، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الاميركية.

ويكشف العريضي عن أن المعطيات المتوافرة لديه “تشي بأن الأميركيين أعطوا الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام باحتلال تلة علي الطاهر أو تنفيذ عمل عسكري في حال وجود هدف محدد”، مرجحًا في الوقت نفسه أن يعمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تنفيذ “عملية نوعية” قبيل الانتخابات الإسرائيلية بهدف تحقيق إنجاز ما.

إلا أن العريضي دعا إلى عدم إغراق اللبنانيين في أجواء التشاؤم، معتبرًا أن “الأمور ما بين وبين”، وبمعنى آخر هناك سباق قائم بين المسار الدبلوماسي والعمل الميداني.

ولكن في قراءة متانية للمشهد الإقليمي، قال العريضي إن المعلومات والمعطيات والتقارير التي تصل إلى لبنان تشير إلى وجود خط بياني متصل من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، معتبرًا أن “الأمور تبدلت، وقد يُعاد خلق الأوراق من جديد”.

وأشار إلى أن لبنان تمكن من فصل الملف الإيراني عن الملف اللبناني، فأصبح لبنان، وفق تعبيره، هو من يفاوض في الملف الخاص به وليس إيران أو حزب الله، لكنه رأى في المقابل أن “أي تقدم على مسار التفاوض الإيراني ـ الأميركي سينسحب إيجابًا على لبنان”.

ولفت إلى أن الصورة حتى الآن “معقدة وصعبة”، فهناك صورة ضبابية من إسلام أباد إلى روما وواشنطن، في إشارة إلى تداخل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية مع المسار الأميركي ـ الإيراني.

وأضاف أن إسرائيل ستواصل، في تقديره، “عملية التفجير التي تقوم بها بشكل يومي، وربما أكثر من ذلك.

وعلى هذه الخلفية، رأى العريضي أنه “لا يُلام رئيس الجمهورية جوزاف عون إذا تعطلت المفاوضات أو سواها”، مشيرًا إلى أن المفاوضات في مختلف التجارب الدولية التي تجري خلال الحروب أو بعدها تحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى نتائج.

واستشهد بتجارب وادي عربة وكامب ديفيد وأوسلو، معتبرًا أن لبنان يفاوض اليوم “عدوًا”، وبالتالي قد يصل إلى خرق في المسار التفاوضي، وقد لا يصل، لكن المهم، بحسب رأيه، أن الدولة اللبنانية باتت تشق طريقها بنفسها خلافًا لما كان يحصل في السابق.

وأشار إلى أن جهات إقليمية ودولية كانت تتولى في مراحل سابقة التفاوض في الملفات اللبنانية، مستذكرًا دور السلطة الفلسطينية والرئيسين حافظ وبشار الأسد، إضافة إلى إيران وحزب الله، الذي سبق أن فاوض إسرائيل عبر الألمان عام 2006، وكذلك عبر الوساطة الأميركية في ملف ترسيم الحدود البحرية.

واعتبر ان “المفاوضات ليست عيبًا”، لكنه أعرب عن خشيته من “المشروع التوسعي الإسرائيلي” الذي قد يمتد، بحسب تقديره، إلى الضفة الغربية، وعلى طريق بيروت -دمشق، بالتوازي مع ما تقوم به إسرائيل في الجولان وسوريا، محذرًا من أن هذه التطورات ستترك تداعيات سلبية على الداخل اللبناني.

وفي سياق متصل، رأى العريضي أن لبنان “يتقدم عما كان عليه”، معتبرًا أن الدولة تقوم، رغم الظروف الصعبة، بواجباتها.

وأشار إلى أن مطار القليعات سيفتح قريبًا، وأن رحلة مباشرة ستنطلق منه إلى الرياض، كما لفت إلى عودة الصادرات السعودية إلى لبنان.

وأشاد بما يقوم به وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، معتبرًا أن العمل الذي أنجز في المطار والمرفأ والمصنع يشكل “إنجازًا كبيرًا”، كما أثنى على ورشة الوزارة في مجال الإسفلت وغيرها من المشاريع، معتبرًا أنها متقدمة و”مثالية”، وبعيدة، بحسب رأيه، عن المحسوبيات الحزبية والسياسية والطائفية والمذهبية، خلافاً لما يتفوه به هذا الطرف أو ذاك، وقال إن الوزير “هو لكل اللبنانيين”، وهذا ما يتميز به الوزير رسامني.

وفد إماراتي والاستثمار وإعادة أموال المودعين

وأشار العريضي إلى أن وفدًا إماراتيًا سيصل إلى لبنان، معتبرًا أن الخطوة هي الأبرز في المرحلة الراهنة، ومذكّرًا بالدور الذي أدته دولة الإمارات العربية المتحدة في لبنان، مستعيدًا موقف باني الامارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خلال الحرب التي اندلعت عام 1976، حين قال: “ارفعوا أيديكم عن لبنان”.

ورأى أن ما تقوم به القيادة الإماراتية اليوم يصب في مصلحة لبنان، بعد رفع الحظر عنه، لكنه شدد على ضرورة تأمين “أرضية صلبة للاستثمار” وإعادة أموال المودعين والمستثمرين الإماراتيين.

وأشار إلى أن المستثمر الإماراتي الشيخ أحمد حبتور، الذي كان من أبرز المستثمرين في لبنان في أصعب الظروف، داعيًا الدولة إلى عدم إدارة ظهرها للمستثمرين، والعمل على تأمين قضاء نزيه ومستقل، وإعادة أموال المودعين والمستثمرين الاماراتيين لا سيما للشيخ خلف ، وتأمين المستلزمات المطلوبة للاستثمار بعيدًا عن البيروقراطية.

واعتبر أن توفير هذه الشروط من شأنه أن يشجع الاستثمارات في ظل المناخات الإيجابية المتاحة حاليًا، “إذا أحسنت الدولة إدارة هذا الملف”

وعلى خط آخر، أشاد العريضي بتعاون الحكومة اللبنانية مع مجلس الجنوب، برئاسة المهندس هاشم حيدر، مشيرًا إلى الدور الذي يؤديه المجلس ميدانيًا مع النازحين، وإلى عمله المتواصل ليلًا ونهارًا، الذي كاد ان يكون الوحيد بدعم من الحكومة وبعض المؤسسات، في مجالات الإغاثة والترميم وغيرها.

إلا أنه شدد على الحاجة إلى “مشروع كبير لإعادة الإعمار الشاملة”، معتبرًا أن هذه العملية لا يمكن أن تنطلق بالوتيرة المطلوبة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وبقاء المشهد ضبابيًا على مستوى الحرب أو التوصل إلى تسوية.

وفي سياق آخر، انتقد العريضي ما وصفه باستمرار إيران من استمرار “الحقد على دول الخليج وسواها”، معتبرًا أن هذا الأمر “مرفوض ومدان من كل اللبنانيين”.

وأشار إلى موقف نائب طرابلس الدكتور إيهاب مطر، الذي دان، في ذكرى تفجير مسجدي التقوى والسلام، ما وصفه بـ”العمل الجبان والبربري”، كما دان الأعمال العدوانية الإيرانية ضد دول الخليج، وفي المقابل، رحب بعودة الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، معتبرًا أن هذه الخطوات تشكل “خطوات إيجابية وإنجازات كبيرة” في المرحلة الراهنة.

وفي سياق متصل، رأى العريضي أن ما حاول البعض تصويره على أنه خلاف بين السنة والجيش “لم يعطِ ثماره من قبل البعض، مشيرًا إلى زيارة النائب عن بيروت نبيل بدر إلى الجنوب ولقائه الجيش وأبناء الجنوب الصامدين، إضافة إلى تعاونه مع المؤسسة العسكرية ورئيس مجلس النواب نبيه بري في ملف النازحين والحفاظ على خصوصية بيروت.

ولفت إلى وجود شهيد من منطقة الطريق الجديدة، هو العقيد نور الجمل، معتبرًا أن هذه الوقائع تؤكد، برأيه، أن الحملات التي حاولت الإيحاء بوجود شرخ بين السنة والجيش لم تحقق أهدافها.

كما اعتبر أن هذه الحملات جاءت في سياق الـ”قصف” على قانون العفو العام، الذي وصفه بأنه إنجاز في هذه المرحلة.

وشدد العريضي في هذا الإطار على أهمية ما طرحه وزير الاقتصاد السابق رائد خوري، لناحية ضرورة تأمين بيئة حاضنة للاستثمار بعيدًا عن البيروقراطية، وتسهيل كل ما يرتبط بالمستثمرين، وإلى أهمية التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص، على أن الدور للقطاع الخاص للقيام بواجباته، من دون تدخل من الدولة، نظرًا إلى ما يتمتع به هذا القطاع من قدرة على النجاح والإنتاج، وبالتالي هذا ما تستفيد منه الدولة ، وهذه العناوين تشكل ركائز أساسية ينبغي التمسك بها في ظل الأزمات والمعاناة التي يعيشها لبنان على مختلف المستويات.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version