تكتسب منطقة علي الطاهر أهمية عسكرية واستراتيجية استثنائية في جنوب لبنان، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي المرتفع، بل لما تُؤمّنه من إشراف على مساحاتٍ واسعة، تمتد جنوب الليطاني وشماله وصولاً إلى إقليم التفاح وأجزاء من القطاع الغربي. هذه الأهمية جعلتها، واحدة من أكثر النقاط حساسية في أي مواجهة محتملة بين إسرائيل و”حزب الله”.

ومع استمرار الضربات الإسرائيلية على المرتفع ومحيطه، باتت علي الطاهر عنواناً لمعركة قد تكون حاسمة في رسم مسار المشهد الميداني اللبناني، وربما تتجاوز تداعياتها الحدود إلى المشهد الإقليمي.

فما الذي يجعل هذه التلة بهذه الأهمية؟ ولماذا تتمسّك بها إسرائيل و”حزب الله” على حد سواء؟ وهل يُمكن أن تتحوّل بالفعل إلى شرارة مواجهة جديدة؟

يشرح الخبير العسكري العميد جورج نادر أهمية علي الطاهر، بأنها تلّة استراتيجية تقع شمال قلعة الشقيف التي تحتلها إسرائيل وهي أعلى منها. رمزيتها أنها كانت ضمن الشريط الحدودي التي كانت تحتله إسرائيل قبل عام 2000، ما يعكس مكانتها العسكرية منذ سنوات طويلة، لافتاً إلى أن موقعها يسمح بالإشراف على مناطق واسعة ومواقع وبلدات عدّة في الجنوب، وخاصة جنوب الليطاني وشماله ومنطقة إقليم التفاح وقسم من البقاع الغربي.

أهمية علي الطاهر، بحسب نادر، لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، إذ يشير إلى “أن “حزب الله” حوّلها إلى مركز عمليات لكل منطقة الجنوب، وأنها تضم شبكة أنفاق مترابطة، فضلاً عن مخازن للصواريخ والمسيّرات والعتاد اللوجستي وغرف عمليات وأنفاق مخصصة لإيواء واختباء المقاتلين، ومنها يمكن الوصول الى النبطية وكفرتبنيت وكفررمان والبقاع الغربي وإقليم التفاح”.

ويلفت نادر في حديثه لـ “ليبانون ديبايت”، إلى معلومات متداولة في الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن “وجود أكثر من 150 عنصراً من “حزب الله” والحرس الثوري داخل أنفاق المنطقة”، مشدداً على أن “هذه المعلومات تبقى في إطار ما تنشره تلك الصحف ولا يمكن تبنيها أو التعامل معها باعتبارها معطيات مثبتة”.

لماذا تصرّ إسرائيل على التلة؟

يرى نادر أن الإصرار الإسرائيلي على السيطرة على تلة علي الطاهر يرتبط أولاً بأهميتها العسكرية، إذ إن السيطرة عليها من شأنه منح إسرائيل موقعاً مُتقدّماً، يشرف على مساحة كبيرة من الجنوب، فضلاً عن إضعاف بنية عسكرية أساسية للحزب في المنطقة. مضيفاً أن هناك بُعداً تفاوضياً لها، إذ تسعى إسرائيل، بحسب تقديره، إلى “امتلاك أوراق إضافية تعزّز موقعها في أي مفاوضات مع لبنان”. كما لا يستبعد وجود حسابات إسرائيلية داخلية، معتبراً أن “تحقيق إنجاز عسكري من هذا النوع يمكن أن يُستثمر سياسياً وانتخابياً من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل موعد الانتخابات في 27 تشرين الأول المقبل، في حال تمكن من السيطرة على أكبر تلّة في منطقة الجنوب وأبعد خطر “حزب الله” عن المستوطنات” وباعتقاده أنه قبل هذا التاريخ سيكون “هناك هجوم كبير على علي الطاهر ونية إسرائيلية للسيطرة عليها”.

في المقابل، فإن تمسّك “حزب الله” بالتلّة يعود، وفق نادر، إلى الأهمية نفسها التي تدفع إسرائيل إلى محاولة السيطرة عليها. فسقوط موقع بهذه الحساسية لا يعني خسارة نقطة جغرافية فحسب، بل “خسارة مركز عسكري يوفر للحزب إمكانات عملياتية ولوجستية وقدرة على التحرك والحماية تحت الأرض وسقوطها بالنسبة للحزب يعتبر “نكسة”.”

يُعزز هذا التقدير الموقف الذي أعلنه منذ يومين عضو المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي، إذ أكد أن قرار الحزب حيال علي الطاهر في المرحلة الراهنة هو “الصمود والتصدي”، مع إبقاء الخيارات المتعلقة بالموقع قيد الدرس. كما شدد على أن عدم الرد على كل اعتداء إسرائيلي لا يعني، من وجهة نظر الحزب، ضعفاً أو عجزاً، محذراً من أن أي محاولة إسرائيلية للتقدم واحتلال أراضٍ أو نقاط جديدة ستواجَه بما يتناسب مع التطور الميداني. في موازاة ذلك، أشار إلى أن الحزب قرر إعطاء فرصة للمسار السياسي للوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل.

الأنفاق في قلب المعادلة

يضع نادر شبكة الأنفاق في صلب الأهمية العسكرية لعلي الطاهر، خصوصاً في ظل الحديث عن استخدامها لتخزين الصواريخ والذخائر والمسيّرات وإيواء المقاتلين وإدارة العمليات، إذ من شأن هذه البنية تحت الأرض أن تجعل التعامل العسكري مع الموقع أكثر تعقيداً من السيطرة على تلة جغرافية عادية.

لكن في المقابل، يشير إلى التفوق الناري والتكنولوجي الإسرائيلي، ولا سيما في مجال الطيران والمسيّرات والصواريخ والمدفعية والسيطرة الجوية، معتبراً أن إسرائيل تمتلك قدرة كبيرة على إلحاق دمار واسع بالموقع إذا اتخذت قراراً بتنفيذ عملية عسكرية كبيرة ضده.

شرارة حرب جديدة؟

الأخطر، في تقدير نادر، أن تتحول علي الطاهر من نقطة اشتباك إلى مفتاح لمواجهة أوسع. ويوضح أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تزال، إلى حد كبير، مضبوطة بفعل الضغوط والمساعي الدبلوماسية الأميركية، رغم ما تشهده قرى وبلدات جنوبية من عمليات قصف وتدمير. خاصة جنوبي الليطاني إلا أن هذه الضوابط، بحسب نادر، قد تسقط إذا اعتبرت إسرائيل أن ثمة ما يمسّ بأمنها القومي، وعندها لن تكون الضغوط الدبلوماسية كافية بالضرورة لمنع التصعيد.

ويخلص الخبير العسكري إلى أن تلة علي الطاهر “قد تشكّل شرارة حرب جديدة في لبنان، لأن أي هجوم إسرائيلي واسع للسيطرة عليها سيدفع “حزب الله”، إلى الرد، فيما قد تستدعي طبيعة هذا الرد رداً إسرائيلياً أشد عنفاً ويتوسع إلى مواقع ومناطق أخرى”.

وبذلك، قد تبدأ المواجهة من تلّة واحدة، لكنها لن تبقى بالضرورة محصورة فيها، خصوصاً إذا تحولت السيطرة على علي الطاهر إلى هدف عسكري إسرائيلي، في مقابل اعتبار “حزب الله” الاحتفاظ بها مسألة استراتيجية لا يمكن التفريط بها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version