هل بدأ التمهيد الجدي لفتح مسار سياسي بين حزب الله والأميركيين؟ سؤال طُرح بقوة في بيروت خلال الساعات الماضية، في أعقاب كلام نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، الوزير السابق محمود قماطي.

لا شك في أن كلام قماطي فتح نقاشاً سياسياً حول التوقيت وأسباب هذا الموقف وما يقف خلفه، وما إذا كان نابعاً من خيار سياسي ذهب أو سيذهب الحزب إليه، أم موقفاً شخصياً، أم أنه مجرد رد فعل كلامي على كلام آخر أطلقه الموفد الأميركي إلى العراق وسوريا، توم براك.

لا شك في أن الأميركيين أبدوا انفتاحاً كبيراً على التحدث مع حزب الله خلال المرحلة الأخيرة، وتحديداً تلك التي أعقبت حرب الستين يوماً. لكن، وبشهادة عارفين، لم يُقرن الأمر بخطوات جدية، بل بقي في إطار النوايا.

حتى المحاولة التي سبق أن أشار إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين ألمح إلى أنه تحدث إلى حزب الله لـ«خفض التوتر» مع إسرائيل، افتقدت إلى ما يثبتها. والاستثنائي بقي في ما سُرّب عن محاولات جدية لسفيرة لبنان في واشنطن، ندى معوض، للحصول على أرقام هواتف مسؤولين في الحزب لمصلحة فريق الرئيس ترامب، وبناءً على طلبه، بهدف الحديث معهم.

آنذاك، وقف حزب الله متفرجاً أمام الكلام الأميركي. وحين سُئل بعض قيادييه، أنكروا علمهم بأي خطوة أميركية جدية، ولم يُشر أحد منهم إلى تواصل حصل مع أميركيين. لكن بعض المؤشرات أوحت باحتمال وجود «قناة خلفية» لتبادل الرسائل بشكل غير مباشر. وما دفع بقوة إلى هذا الاعتقاد، حركة ممثل حزب الله لدى طهران، السيد عبدالله صفي الدين، والإحاطة التي حرص الإيرانيون على منحه إياها في أثناء دورة انعقاد المباحثات المباشرة مع الأميركيين في إسلام آباد، وما قيل حول مشاركته مع الوفد الإيراني الرسمي، وأيضاً الزيارات الدورية لمسؤول ملف العلاقات الخارجية في الحزب، عمار الموسوي، إلى تركيا ولقائه المسؤولين الأتراك، في دولة توصف بعمق العلاقة التي تربطها بواشنطن وبالرئيس الأميركي.

في السابق أيضاً، كانت هناك محاولات جدية لحديث مباشر بين الأميركيين والحزب، وأحدثها كان في مرحلة حرب الإسناد (2023 – 2024) ووساطة آموس هوكشتين، وقبلها خلال مرحلة التفاوض حول الترسيم البحري (2022). لكن خيار الحزب آنذاك كان توكيل المهمة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفي مرحلة سابقة، خلال الترسيم البحري، تُرك جزء منها لرئيس الجمهورية السابق ميشال عون، كنوع من تقاسم الأدوار بين حليفي الحزب آنذاك، عون وبري.

لكن حضور الفكرة الآن كطرح جدي يأتي في توقيت حساس في المنطقة ولبنان عموماً، في ظل مفاوضات أميركية – إيرانية مباشرة وأخرى غير مباشرة، وتوقيع مذكرة تفاهم. ويأتي أيضاً في خضم التحول السياسي اللبناني وتفرّد واشنطن بالتأثير السياسي لبنانياً. والأهم أنه يأتي في سياق سيل من المواقف التي يطلقها دورياً المبعوث الأميركي توم براك، الذي سبق، قبل أشهر، أن رفض مصطلح نزع سلاح حزب الله بالكامل، ثم تحدث عن «تعايش» مع الحزب، وعن حلول تقوم على تجميد استخدام السلاح Decommissioning. والآن يعود إلى التدرج نفسه، إذ أتى في حديثه قبل أيام على ضرورة التعاون مع الحزب وإيران في لبنان، بوصف أن أي تسوية جادة في لبنان لا بد أن تشملهما.

التعايش مع الحزب

هو اعتراف واضح من أحد أكثر المبعوثين الأميركيين تأثيراً في سياسات المنطقة، يربط عملية التحول السياسي، سواء في لبنان أو المنطقة، بالتعايش مع الحزب ومع إيران بطريقة منظمة، وسط اعتراف بعدم القدرة على إلغاء أي طرف. وفي ذلك انتقاد صريح للأفكار الإسرائيلية القائمة على اقتلاع الحزب وبيئته من الوجود.

وعلى ما يبدو، ثمة فريق في واشنطن يفكر بطريقة مختلفة وأكثر عقلانية، ويقرّ بتأثير الديمغرافيا والجغرافيا والحدود، ويعترف بعدم قدرة الحروب على الإلغاء، وإنما فقط على إحداث تغيير عميق. وربما من هنا يطرح الحزب نظريته، على لسان رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي، بما يمثله داخل الحزب.

وربما يشكل هذا الطرح، وإن كان حتى الساعة لا يزال في إطار إطلاق المواقف من دون إثبات للنوايا، مظهراً من مظاهر استقلالية الموقف التي يحاول الحزب إبرازها. فيصبح الحزب، بمنظور كثيرين، حراً في الذهاب إلى خيارات سياسية متنوعة، حتى مع الخصوم أو الأعداء، من دون تعديل منهجه أو أفكاره، ويحاكي خيارات سابقة، بطريقة عكسية أو مختلفة، كانت ترفض الجلوس والحديث مع الأميركيين.

الاميركيين والحزب ومستقبل الشيعة

ثمة فريق داخلي لبناني كان، في وقت من الأوقات، مقتنعاً تماماً بإمكانية جلوس الحزب والأميركيين معاً. لكنه كان يراهن على نضوج التوقيت وتوافر الضرورة والمصلحة. وصحيح أنه حتى اللحظة يبدي اعتقاده بأن الظروف لم تتهيأ بعد، لكنه لا يخفي أنها في طور التشكل.

كذلك، يرى أن الحزب يستطيع استخدام هذه الورقة، ليس لمناقشة مستقبله السياسي فحسب، إنما مستقبل الشيعة أيضاً، في لحظة حرجة بالنسبة إليهم، بما يضمن عدم خسارتهم كل المكتسبات التي حققوها. وهي، وفق هذه القراءة، محاولة واقعية من الحزب للتفكير خارج الصندوق حمايةً لهذا المكوّن، في ظل ما يراه من مساعٍ لاقتلاعه من مناطقه وضربه اقتصادياً وسياسياً. وربما يكون الحزب يفكر جدياً في الحديث مع جماعة داخل واشنطن يمكن التحاور معها، وربما الوصول، ولو لاحقاً، إلى تسوية سياسية أو مشروع تسوية سياسية.

وبخلاف كل ذلك، قد يكون الحزب، في لحظة معينة، يريد الحديث مع آخرين حتى ولو كانوا خصوماً. وثمة وجهة نظر تقول إن الحزب، لو فكر في تسليم السلاح أو جزء منه، فسوف يسعى إلى إبرام تسوية من موقع قوي تضمن حقوقاً ومكتسبات داخلية وخارجية، ليس للحزب فقط، وإنما للمكوّن أيضاً.

وقد يكون الحزب، في موقفه هذا، يرسل رسائل إلى الخارج، وإلى الأميركيين تحديداً، بأنه مستعد للجلوس والحديث ضمن معايير واضحة، على غرار ما صرح به براك حول ضرورة التشارك مع الحزب والإيرانيين، في ظل عدم القدرة على إلغائهم. وقد يكون ذلك أيضاً ناجماً عن محاولات التطويق التي يشعر بها الحزب داخلياً وخارجياً، وتراجع مستويات الحديث معه.

مشاريع تسويات

قبل مدة، طُرحت نظريات لتسوية وضعية الحزب في الداخل اللبناني، وبعضها ألمح إلى محاولة تسوية لوضعه العسكري من خلال مسارات بدأت بالمبادرة المصرية، التي أشارت في نسختها الثانية «2.0» إلى مراحل وخطوات متبادلة مع العدو الإسرائيلي، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار ضمن مفهوم رقابي دولي. ثم جاءت أفكار السفارة البريطانية التي تحدثت عن حل لسلاح الحزب وفق الطريقة الإيرلندية الشمالية التي اتُبعت مع الجيش الجمهوري الإيرلندي.

آنذاك، انفتح الحزب على نقاش المبادرة المصرية قبل أن ينقطع المسار وتأتي الحرب، فيما انغلق على بحث الأفكار البريطانية، رغم ما قيل في حينه عن كونها تحمل بنوداً تقوم على مقايضة السلاح الثقيل بالحصول على امتيازات داخل الدولة وتأمينها.

بري «يترك» الحزب يفاوض!

وفي كل ما جرى ويجري، بدا طيف رئيس مجلس النواب نبيه بري حاضراً. وللوهلة الأولى، فُهم أن بري يدفع صوب نقاش مباشر بين الحزب وخصومه الخارجيين، وتحديداً الولايات المتحدة، مستفيداً ربما من مسار إسلام آباد. وأهم انعطافة سُجلت في موقف بري كانت في تخليه، للمرة الأولى ولمصلحة الحزب، عن موقعه كمفاوض باسمه أو شريكاً له، ليتحول إلى طرف مساعد.

الآن، يعود الحزب، بعد المعركة الأخيرة وكل ما تخللها من إجرام إسرائيلي ونهج تدميري واضح، ليبدي إشارات إلى إمكانية محاورة الأميركيين مباشرة، وإن كان ذلك لا يزال في إطار الكلام، وغير مقرون حتى الآن بموقف سياسي أو قرار واضح أو خطوات تمهيدية فعلية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version