تدخل قضية السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني يوم الاثنين اختبارًا تنفيذيًا جديدًا، مع انتهاء تأشيرة دخوله في 24 آب، بعد نحو خمسة أشهر على انقضاء المهلة التي حددتها له وزارة الخارجية اللبنانية لمغادرة البلاد. ففي 24 آذار، سحبت الوزارة الموافقة على اعتماده وأعلنته شخصًا غير مرغوب فيه، ومنحته حتى 29 آذار للمغادرة. لكنّ المهلة انقضت وبقي شيباني في بيروت، فيما أعلنت طهران أنه سيواصل عمله، فتحول قرار كان يفترض أن ينهي مهمته إلى وضع معلّق استمر طوال الأشهر التالية.

قبل انتهاء التأشيرة، أعاد وزير الخارجية يوسف رجي فتح الملف، وأكد رفض تجديدها أو تسوية وضع شيباني تحت أي مسمّى. وبحسب موقفه، فإن إعلان الدبلوماسي شخصًا غير مرغوب فيه أسقط أصلًا الأثر القانوني لأي تأشيرة أو إذن دخول سبق منحه له، وجعل استمرار وجوده مخالفًا لقرار سيادي واجب التنفيذ. غير أنّ التشديد على نهائية القرار يعيد السؤال الذي بقي معلّقًا منذ آذار: إذا كان قرار المغادرة نافذًا منذ صدوره، فما الذي يُفترض أن يتغير عند انتهاء التأشيرة؟

لا تقتصر القضية على خلاف دبلوماسي بين لبنان وإيران، ولا على إجراء إداري يتعلق بتجديد الإقامة. فهي تجمع ثلاث طبقات قانونية كثيرًا ما تختلط في النقاش العام: موافقة

الدولة على اسم السفير، واعترافها به عضوًا في البعثة الدبلوماسية، وسماحها له بدخول أراضيها والبقاء فيها. وتتوزع هذه المسارات أيضًا بين جهات لبنانية مختلفة، من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة الخارجية إلى الأمن العام. لذلك يتحول موعد الاثنين إلى اختبار لقدرة المؤسسات على وصل القرار الدبلوماسي بأداته التنفيذية.

من سحب الموافقة إلى انتهاء التأشيرة

تبدأ مهمة السفير قبل وصوله بطلب موافقة الدولة المضيفة على اسمه، وهو ما يُعرف دبلوماسيًا بـ”القبول المسبق”. وتنص المادة الرابعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية على أن تتأكد الدولة المرسلة من حصولها على هذه الموافقة، فيما يحق للدولة المضيفة رفضها من دون بيان الأسباب. بعد ذلك تأتي مرحلة أوراق الاعتماد، التي تحدد مباشرة رئيس البعثة مهماته وفق الإجراءات المعتمدة لدى الدولة المضيفة. وفي حالة شيباني، لم تكتمل هذه المرحلة، إذ سحب لبنان موافقته قبل تقديم أوراق اعتماده، فبقيت صفته الأدق “سفيرًا معيّنًا”، لا سفيرًا معتمدًا.

غير أنّ سحب الموافقة على الاعتماد لا يعني وحده إخراج الشخص من الأراضي اللبنانية، وهو ما يفسر لجوء الخارجية أيضًا إلى المادة التاسعة من اتفاقية فيينا وإعلان شيباني شخصًا غير مرغوب فيه. تلزم هذه المادة الدولة المرسلة باستدعاء الدبلوماسي أو إنهاء مهماته، وتجيز للدولة المضيفة رفض الاعتراف به عضوًا في البعثة إذا لم تنفذ الدولة المرسلة ذلك خلال مدة معقولة. لكنها لا تنص على تحويل القرار تلقائيًا إلى ترحيل قسري. ولا يغيّر إنهاء الصفة الدبلوماسية من حصانة مقر السفارة نفسه، إذ تجعل المادة 22 مقار البعثات مصونة ولا تجيز دخولها من دون موافقة رئيس البعثة.
ad

هنا تدخل التأشيرة بوصفها مسارًا إداريًا مختلفًا. فتعليمات الأمن العام تنص على منح الدبلوماسيين العرب والأجانب تأشيرة دخول مجانية لمدة ستة أشهر، لعدة سفرات، قابلة للتجديد. وهذه هي التأشيرة التي يُستند إليها في تحديد موعد 24 آب، بصرف النظر عن عدم اكتمال اعتماد شيباني. لكن انتهاء صلاحيتها لا يبدد الخلاف حول وضعه السابق، ولا يحدد تلقائيًا كيفية معالجة بقائه. فموقف الخارجية يقوم على أنّ قرار اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه يمنع تجديد وجوده تحت أي صفة، فيما تتحدث تقارير صحفية عن إمكان البحث في إقامة عادية أو مهمة مختلفة، وهو ما ينقل النقاش من مدة التأشيرة إلى حدود مفاعيل القرار الدبلوماسي.

قرار واحد وأربع جهات

يزيد توزيع الصلاحيات داخل الدولة تعقيد القضية. فالمادة 53 من الدستور تنص على أنّ رئيس الجمهورية يعتمد السفراء ويقبل اعتمادهم، بينما تشترط المادة 54، في الأصل، اشتراك رئيس الحكومة والوزير المختص في توقيع مقررات رئيس الجمهورية. أما المادة 65، فتنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وتمنحه صلاحية وضع السياسة العامة والإشراف على الإدارات المدنية والأمنية. ومن هنا نشأ منذ آذار خلاف سياسي ودستوري حول الجهة التي تملك سحب الموافقة على سفير لم يقدم أوراق اعتماده، وما إذا كان ذلك إجراءً تديره الخارجية ضمن صلاحياتها أم قرارًا يحتاج إلى مسار تشترك فيه الرئاسة والحكومة والوزير المختص.

لا يلغي هذا الخلاف حق لبنان في رفض أي دبلوماسي أو إنهاء الاعتراف بصفته، لكنه يوضح لماذا لا يكفي إعلان الخارجية وحده لإنجاز كل مراحل التنفيذ. فالوزارة تتولى إبلاغ الدولة المرسلة وتحديد تعامل المؤسسات الرسمية مع ممثلها، فيما يراقب الأمن العام دخول الأجانب وإقامتهم ومغادرتهم، ويتولى المعاملات المرتبطة بالتأشيرات والإبعاد وفق الأصول. وعندما لا تتطابق الرسالة الدبلوماسية مع القرار السياسي والتعليمات الإدارية، يصبح الشخص مرفوضًا بصفته الرسمية وموجودًا في الواقع. وهذا ما ظهر بعد 29 آذار، حين انقضت مهلة المغادرة من دون خطوة تنفيذية أنهت وجود شيباني في لبنان.

مع ذلك، لا تنحصر المخارج بين التراجع عن القرار وقطع العلاقات مع طهران. تستطيع إيران استدعاء شيباني وترشيح اسم آخر، فيما تواصل السفارة عملها بقيادة قائم بالأعمال، لأن رفض شخص السفير المعيّن لا يعني إنهاء التمثيل الدبلوماسي بين البلدين. أما منحه إقامة عادية، فلا يعيد إليه صفة السفير ولا يمنحه حق ممارسة العمل الدبلوماسي أو الحصانات المرتبطة به، كما لا يحسم تلقائيًا أثر قرار اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه. كذلك لا تمنح تسمية “مبعوث” حق الإقامة أو الحصانة بصورة تلقائية، لأن أي مهمة رسمية جديدة تحتاج إلى قبول الدولة المضيفة وترتيبات واضحة مع وزارة خارجيتها.

مع انتهاء التأشيرة الاثنين، تقف الدولة اللبنانية أمام اختبار قدرتها على تحويل قرارها الدبلوماسي إلى إجراء تنفيذي فعلي. فبقاؤه بصيغة جديدة سيضع قرار آذار مجددًا على طاولة التفاوض، فيما تتيح مغادرته تطبيقه من دون قطع العلاقات مع إيران أو إقفال سفارتها. وبين المسارين، تكشف القضية أنّ السيادة تبدأ بتحديد من ترفض الدولة اعتماده، وتكتمل بقدرتها على وصل موقفها السياسي بمرجعيته الدستورية وأداته التنفيذية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version