صعّدت تركيا مسارها القضائي ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما أعلنت التوجه إلى ملاحقته دوليًا على خلفية التحقيق في اعتراض القوات الإسرائيلية «أسطول الصمود العالمي» الذي كان متجهًا بحرًا لإيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة.
وأعلن وزير العدل التركي أكين غورليك، الجمعة، أن أنقرة طلبت إصدار نشرة حمراء عبر «الإنتربول» بحق نتنياهو، في إطار القضية المرتبطة باعتراض الأسطول واحتجاز ناشطين كانوا على متنه، في خطوة تنقل الملف من نطاق الملاحقات القضائية التركية الداخلية إلى محاولة تفعيل أدوات التعاون الشرطي الدولي.
وكانت النيابة العامة في إسطنبول قد فتحت تحقيقًا في الحادثة بعدما اعترضت القوات البحرية الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» في المياه الدولية أثناء توجهها نحو غزة، إذ اعتبرت السلطات التركية أن الوقائع تستوجب التحقيق في شبهات تتعلق بحرمان أشخاص من حريتهم والاستيلاء على ممتلكات والإضرار بها واعتراض وسائل النقل.
ولا تبدأ المواجهة القضائية التركية مع نتنياهو من هذه القضية، إذ سبق للقضاء التركي أن أصدر في 7 تشرين الثاني 2025 أوامر توقيف بحق 37 شخصًا، بينهم نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ورئيس الأركان إيال زامير وقائد البحرية ديفيد ساعر سلامة، على خلفية اتهامات تركية بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» و«إبادة جماعية» في غزة، إضافة إلى وقائع مرتبطة بأسطول الصمود.
وتطورت القضية لاحقًا، إذ أعدت النيابة العامة في إسطنبول في نيسان 2026 لائحة اتهام بحق 35 شخصًا، بينهم نتنياهو، على خلفية عملية اعتراض الأسطول، وتضمنت مجموعة واسعة من الاتهامات وفق القانون التركي، من بينها «الجرائم ضد الإنسانية» و«الإبادة الجماعية» و«الحرمان من الحرية» و«التعذيب» و«الإضرار بالممتلكات» و«النهب المشدد» وعرقلة أو احتجاز وسائل النقل.
وتستند السلطات التركية في جانب من ملفها إلى إفادات ناشطين كانوا على متن الأسطول وأعيدوا لاحقًا إلى تركيا، حيث خضع عدد منهم لفحوص طبية ونفسية، قبل الاستماع إليهم بصفاتهم ضحايا ومشتكين وإرفاق التقارير بملف التحقيق، بحسب ما أعلنته النيابة العامة التركية.
كما يتضمن الملف القضائي التركي وقائع مرتبطة بالحرب في غزة، إذ سبق للنيابة أن أشارت إلى حوادث عدة قالت إنها تشكل جزءًا من نمط من الانتهاكات، من بينها مقتل الطفلة هند رجب في 29 كانون الثاني 2024، واستهداف مؤسسات صحية ومنع وصول مساعدات إنسانية، إضافة إلى قصف مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني في آذار 2025.
وتنفي إسرائيل اتهامات ارتكاب إبادة جماعية في غزة، وترفض الملاحقات التركية بحق مسؤوليها، وكانت قد وصفت مذكرات التوقيف السابقة بأنها خطوات سياسية، فيما تؤكد أن عملياتها العسكرية تستهدف جماعات مسلحة وأنها تتخذ إجراءات للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
وعلى المستوى القانوني، لا تعني مطالبة تركيا بإصدار نشرة حمراء أن «الإنتربول» أصدر مذكرة توقيف دولية ملزمة بصورة تلقائية. فبحسب المنظمة الدولية للشرطة الجنائية، النشرة الحمراء هي طلب إلى أجهزة إنفاذ القانون في الدول الأعضاء لتحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتًا تمهيدًا لإجراءات تسليم أو إجراءات قانونية مماثلة، وهي تستند أساسًا إلى مذكرة توقيف أو قرار قضائي صادر عن الدولة الطالبة. كما أن كل دولة تقرر، وفق قوانينها، كيفية التعامل مع النشرة، ولا يملك «الإنتربول» نفسه صلاحية إلزام دولة باعتقال الشخص المطلوب.
ويضيف هذا التحرك القضائي مستوى جديدًا إلى التوتر الحاد بين أنقرة وتل أبيب، الذي تصاعد بصورة كبيرة منذ الحرب في غزة، وسط انتقادات تركية متواصلة للعمليات الإسرائيلية ومواقف شديدة اللهجة للرئيس رجب طيب أردوغان، بالتوازي مع دعم أنقرة للتحركات القضائية الدولية المتعلقة بالحرب.
وكانت تركيا قد انضمت أيضًا إلى القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل والمتعلقة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، في خطوة أكدت من خلالها أنقرة سعيها إلى نقل المواجهة مع الحكومة الإسرائيلية من المجال السياسي والدبلوماسي إلى المسار القضائي الدولي.
أما ملف «أسطول الصمود العالمي»، فتحوّل بدوره إلى أحد أبرز وجوه هذا الاشتباك، بعدما حاول ناشطون من دول مختلفة الوصول بحرًا إلى غزة محملين بالمساعدات الإنسانية، قبل أن تعترضهم القوات الإسرائيلية وتحتجز عددًا منهم، وهو ما تعتبره تركيا أساسًا لفتح تحقيقات جنائية ضد مسؤولين إسرائيليين.
وبطلب الملاحقة عبر «الإنتربول»، ترفع أنقرة سقف تحركها القضائي ضد نتنياهو، لكن النتائج العملية ستبقى مرتبطة أولًا بقرار المنظمة في شأن الطلب، ثم بمواقف الدول الأعضاء وقوانينها الوطنية، ما يجعل الخطوة ذات أبعاد قضائية وسياسية واسعة، من دون أن تعني تلقائيًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بات معرضًا للاعتقال في كل دولة يدخل أراضيها

