لم تعد المخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة تقتصر على مدى استعداد الرئيس دونالد ترامب لاستخدام القوة، إذ فتحت الحرب غير المحسومة مع إيران سؤالاً أكثر حساسية حول قدرة واشنطن نفسها على خوض مواجهة متعددة الجبهات، بعدما بدأت مخزونات الصواريخ الاعتراضية والأسلحة بعيدة المدى تتآكل فيما يتسع القلق من أوروبا إلى الخليج وآسيا.

وفي مقال للصحافي إيلي ليون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، أشار إلى أنه منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عبّر حلفاء الولايات المتحدة عن مخاوف متزايدة حيال نيات واشنطن، إلا أن استمرار الحرب مع إيران واستنزافها مخزونات الأسلحة الأميركية وكشفها حدود القوة العسكرية، نقلا التساؤلات من مستوى النيات إلى مستوى القدرات العملياتية.

وبحسب المقال، يتمحور السؤال الذي يتردد في عواصم العالم حول ما إذا كان التراجع الصناعي والاستقطاب السياسي قد أضعفا الولايات المتحدة إلى حد يجعلها عاجزة عن استخدام قوة حاسمة في مواجهة متعددة الساحات.

وقال الخبير الاستراتيجي ماثيو كرونيغ، الزميل البارز في المجلس الأطلسي: «الردع يتكون من القدرة والمصداقية. في الماضي كان السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتحرك فعلاً، أما اليوم فإن خصومنا يفترضون ببساطة أن أميركا أقل قدرة عسكرياً مما كانت عليه في السابق».

ووفق تحليل نشرته «وول ستريت جورنال»، أثار قرار ترامب تقليص التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية ووصف كوريا الشمالية بأنها «غير مهددة ومحترمة»، في الوقت الذي تنشر فيه بيونغ يانغ صواريخ باليستية وجنوداً في أوروبا، شكوكاً واسعة.

وفي الوقت نفسه، تدفع الإدارة الأميركية باتجاه مصالحة مع الصين تشمل تجميد صفقات أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، بينما جرى نقل أصول عسكرية حيوية من منظومات الدفاع الجوي وصولاً إلى حاملة الطائرات الوحيدة المتبقية في المحيط الهادئ إلى ساحة الشرق الأوسط.

وأبدى مسؤولون أوروبيون، في أحاديث مغلقة، شكوكاً حيال مدى استعداد الولايات المتحدة لمساعدتهم في حال وقوع هجوم روسي شامل.

وفي هذا السياق، حذّر نيكو لانغه، وهو مسؤول سابق في المؤسسة الأمنية الألمانية، من أن إيران «تذل الولايات المتحدة أمام الجميع»، معتبراً أن ذلك يخلق بنية فرص خطرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي المقابل، سارع البيت الأبيض إلى رفض الادعاءات بشأن وجود نقص في الأسلحة نتيجة عملية «الغضب الملحمي» في إيران، مؤكداً أن الجيش الأميركي يمتلك أكثر من الكمية الكافية من الذخائر لأي هدف.

إلا أن بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS»، التي أوردتها «وول ستريت جورنال»، عرضت صورة مختلفة وأكثر إثارة للقلق.

وبحسب هذه البيانات، استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها من صواريخ الاعتراض، بما يشمل منظومات «باتريوت» و«ثاد»، كما استهلكت ثلث ترسانتها من صواريخ «توماهوك» و«جاسم» المجنحة.

ولم يتبق لدى الأميركيين حالياً سوى نحو 800 صاروخ «باتريوت».

وفي المقابل، نقلت موسكو وخصوم آخرون صناعاتهم الدفاعية إلى نمط اقتصاد الحرب، فيما سلمت شركة «لوكهيد مارتن» خلال العام الماضي 620 صاروخ اعتراض «باتريوت» فقط.

وتقدّر أجهزة استخبارات غربية أن روسيا تنتج أكثر من 100 صاروخ باليستي شهرياً.

ولهذه الفجوة، بحسب المقال، تداعيات استراتيجية مباشرة على الأرض، إذ تُركت أوكرانيا من دون حماية كافية أمام رشقات الصواريخ الروسية بعدما رفض ترامب طلباتها للحصول على صواريخ «باتريوت».

وفي الخليج، تعارض دول بينها السعودية تجديد حملة عسكرية واسعة ضد إيران، خشية ألا تكون مخزونات صواريخ الاعتراض لديها كافية لحماية المنشآت والبنى التحتية الحيوية.

وأشار المقال إلى أن الصواريخ الباليستية تحولت إلى أداة مركزية في ممارسة الضغط الجيوسياسي.

وفي الماضي، كانت هذه الصواريخ تُعد وسائل مكلفة ولم يكن الانحراف بمئات الأمتار عن الهدف يحدث فارقاً كبيراً بسبب استخدامها النووي، إلا أن قوى متوسطة مثل إيران باتت اليوم تمتلك قدرات دقيقة ألحقت أضراراً كبيرة بقواعد أميركية.

ويتطلب اعتراض هذه الصواريخ غالباً إطلاق صاروخين أو 3 صواريخ اعتراضية في مواجهة كل صاروخ هجومي، وهي معادلة صعبة بالنسبة إلى الغرب بسبب التعقيد الكبير في تصنيع الصواريخ الاعتراضية.

ورغم أن البنتاغون أعلن أخيراً عن صفقات بقيمة 59 مليار دولار تهدف إلى مضاعفة إنتاج صواريخ «باتريوت» 3 مرات، إضافة إلى 35 مليار دولار لزيادة إنتاج صواريخ «ثاد» الاعتراضية 4 مرات، فإن هذه العقود لم تحصل حتى الآن على التمويل الكامل.

وفي ختام المقال، اعتبر لودوفيك هود، الزميل البارز في معهد هدسون، أن هناك جانباً إيجابياً واحداً في هذه الأزمة، قائلاً: «كانت صافرة الإنذار هذه ضرورية للغرب الذي غرق في شعور زائف بالأمان».

وبذلك، تتحول الحرب مع إيران من اختبار لإرادة واشنطن السياسية إلى اختبار مباشر لقدرتها الصناعية والعسكرية، في وقت بات فيه حجم المخزونات وسرعة تعويضها عاملاً حاسماً في حسابات خصوم الولايات المتحدة وحلفائها على حد سواء.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version