التدخل السوري في لبنان بات أمراً واقعاً بحكم الوقائع السابقة والحالية. يبقى النقاش معلقاً حول كيفية حصول هذا التدخل وسياقه: هل سيكون عسكرياً أم أمنياً، أم بوسائل أخرى حديثة ومختلفة تضمن تأثير سوريا في لبنان؟
قبل الغوص في شكل التدخل، لا بد من الإشارة إلى جملة من الوقائع والعناصر المثبتة لبنانياً وسورياً، وعلى لسان أكثر من مصدر، تظهر رغبة دمشق في التدخل أو التأثير في لبنان.
يعيدنا الموضوع إلى الفترة التي عُيّن فيها إياد الهزاع قائماً بأعمال السفارة السورية في بيروت. وللعلم، فالهزاع ليس دبلوماسياً سورياً تقليدياً، ولا موظفاً في الدولة، وليس أكاديمياً، إنما جهادي بسيط.
آنذاك، نُقل عنه أمام حشد من الشخصيات التي زارته أو تلك التي التقى بها، أنه أتى إلى لبنان، ومن أهدافه استرداد التأثير السوري في الملفات اللبنانية. وبدا الرجل كمن يبحث عن تفاصيل مستمدة من طريقة تعاطي النظام السابق مع لبنان، وبعض الأساليب التي اعتُمدت آنذاك في خدمة توفير مجال للتأثير السوري. ولم يكن صعباً ملاحظة توظيفها في السياق الجاري. وكان مفهوماً أن الرجل عُهد إليه العمل على فرض وجوده على الساحة اللبنانية وتحويله إلى ظاهرة. ولهذه الغاية، استعان بصحافيين وبعض الناشطين في مجال العلاقات العامة، وبتنا نلمس وجوده في أكثر من ملف وشاشة، ونقرأه بين سطور الأخبار والأنشطة اليومية، أو من خلال لقاءات، المعلوم منها وغير المعلوم.
كان قد سبقه إلى الهدف نفسه السيد محمد الأحمد، وهو جهادي أيضاً ومكلّف اليوم إدارة الملف العربي في الخارجية السورية. وعندما كان يأتي إلى بيروت بشكل دوري وممنهج، وأحياناً بشكل شبه أسبوعي، ويجري لقاءات مع رجال أعمال سوريين وغيرهم، كان يعبّر عن رغبة سوريا في التأثير في لبنان. وذات مرة، سأل عن مواضيع تخص اللجنة الخماسية خلال طفرة نشاطها، وكان يتحسر على عدم وجود دور لسوريا فيها، ويتساءل عن السبل لبلوغ ذلك.
من خارج هذه الدائرة، يحضر البعد الأمني. فحين سقط النظام السابق في دمشق أواخر عام 2024 وحلّ بدلاً منه النظام الحالي، ورتّب أموره، كان أول شكل من أشكال الانفتاح على لبنان قد جاء على شكل انفتاح أمني، إذ تناوب عدد من الضباط الكبار على زيارة شخصيات أمنية وعسكرية في بيروت، فيما كان يُعهد إلى بعضهم بأعمال تنقيب عن الضباط السوريين السابقين وبعض الشخصيات المؤثرة من النظام السابق، في محاولة لفهم إلى أي مدى وصلت علاقات هؤلاء مع اللبنانيين.
وفي تلك الأثناء، كان «نجم» النظام الجديد في أوجه، وكان الشارع السوري في لبنان قد بدأ يعتاد التغيير الذي حصل في بلاده. ومع حلول الذكرى الأولى لسقوط النظام، انفجر السوريون في لبنان دفعة واحدة، من خلال تحركات شعبية قاموا بها في مختلف المناطق اللبنانية، وتسببت في بعض المناطق باشتباكات وإقفال طرقات. آنذاك، نقل الضباط الذين كانوا قد بدأوا بزيارة لبنان واللبنانيين، وآخرون من المسؤولين السوريين، إعجابهم بالحركة التي قام بها النازحون، وتحول هؤلاء إلى عنصر داخلي لبناني ذي ثقل وله معنى. ويُنقل، مثلاً، عن عبد الرحمن الدباغ، الذي كان معاوناً لمدير الاستخبارات السورية، حديث عن ضرورة تنظيم هذه الحالة والاستفادة منها، بعدما تبين أن مجموعات «واتساب» شكلت محركها الأساسي. ولم يطل الأمر حتى أوكل أمرها لاحقاً إلى الهزاع، عبر معاونين أمنيين يساعدونه في السفارة ودمشق.
فيما بعد، برزت حالات متعددة كنوع من رعاية الوجود السوري، حيث بات الهزاع وآخرون يخصصون لقاءات أسبوعية مع شخصيات عشائرية سورية مؤثرة في لبنان، أو مع ناشطين على علاقة بوسائل التواصل الاجتماعي. ويُنظَر إلى ذلك على أنه استعانة بقدرات هؤلاء.
سياسياً، ينتقل الاهتمام إلى الشرع تحديداً، الذي يحرص على رعاية تشكيل من الصحافيين اللبنانيين المؤيدين له، وعلى ديمومة وجود القناة المفتوحة معهم وتزويدهم بما يريدون. ويقال إنه يحرص، من وقت إلى آخر، على الجلوس معهم، كما أنه فتح مقدرات من أنواع مختلفة لبعضهم. وإلى جانب حرصه هذا، يحرص أيضاً على ألّا تخرج فكرة التدخل السوري في لبنان من التداول، لكن وفق شكل مدروس، مع ضرورة المحافظة على المفردات المستخدمة في الإعلام، والإحاطة بضرورة ألّا تثير أي مفردة الحساسيات. وحرصه نابع من الأهمية التي يمثلها موقع لبنان بالنسبة إلى المعادلة السورية.
وفي الوقت نفسه، يحرص الشرع على ألّا يمر أي تأثير سوري من خلال وسائل اعتُمدت سابقاً، كالتدخل العسكري أو البطش الأمني. وهو يرى، كحلفائه الأتراك مثلاً، أن التدخل العسكري السوري في لبنان، وفق الشكل الذي يُعمَّم أو الذي يطلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لن يؤدي غرضه، على الأقل في الوقت الراهن، ولا بد من هندسته كي يكون دخولاً تحت مظلة واضحة، يأتي بموازاة تأثير سوري داخلي أوسع في لبنان.
وخلال العام الماضي، نقلت مصادر متعددة حصول اجتماع سوري – فرنسي في العاصمة الفرنسية باريس، ناقش تفاصيل متعلقة بلبنان، ووصل إلى خلاصة بضرورة تفويض سوريا تحقيق نوع من التأثير داخل لبنان، لا سيما في الشق المتعلق بالضغط على حزب الله، وهو ما برز في بعض الاشتباكات التي حصلت عند الحدود.
هذا فتح مجالاً أوسع للتفكير في شكل أي تدخل سوري في لبنان. وما عزز ذلك، ما يُتداول في بيروت عن حصول اجتماع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من معاونيه السياسيين والأمنيين، ومن بينهم من بات مختصاً في الشأن اللبناني، حيث جرت مناقشة بعض الآليات المتعلقة بكيفية التعاطي مع الملف اللبناني، مع الحرص على ضرورة أن يمضي الجميع من أجل إنتاج وسائل تؤدي الغرض المثالي من توفير عناصر مفيدة وغير مزعجة، تخدم ما يمكن تسميته «مشروع التأثير السوري» في لبنان.
طبعاً، ووفقاً لما فُهم، كان الشرع واضحاً في رفضه منطق التدخل العسكري المباشر، الذي يتم الحديث عنه باستمرار، لما يحمله من صفات لا تشجع على التأثير في لبنان، بل قد ينقلب الأمر مما يسميه «تدخلاً إيجابياً» إلى «تدخل سلبي». لكنه أيّد حصول نوع من التدخل، إنما بطلب رسمي لبناني، حتى ولو كان بصفة عسكرية أو أمنية، ما يفسر، مثلاً، سر الانقلابة التي حصلت في ذهنية بعض الكتّاب، من تسويق رفض الشرع التدخل إلى تبرير احتمال حصوله ضمن «مظلة عربية».
وبدا واضحاً أن الشرع يسعى إلى مظلة تحت حجة مساعدة لبنان. وكما فُهم، يريد مظلة أوسع توفرها دول عربية. وكان قد ألمح إلى ذلك خلال لقائه الأخير مع قناة «الجزيرة». لذلك خرج التسويق الأخير على شكل عدم ممانعة الشرع أي تدخل في لبنان إن جاء من ضمن قوات عربية واسعة النطاق.
ما خرج به الاجتماع، وما تسنى لبيروت الاطلاع عليه، جاء يحمل صفات تبرير أي تدخل بذريعة مساعدة لبنان. وفُهم أن أي تحرك من هذا القبيل لا يجدر أن يبدأ على شكل تنفيذ عمليات عسكرية سورية تتبع للجيش أو للقوات المسلحة، إنما يجدر أن يتخذ صفة التحرك العشائري، بمعنى استغلال وجود العشائر على طرفي الحدود، وتوفير ظروف الاحتكاك بينها، بما قد يمثل ذريعة لأي تدخل مستقبلي.
وساعة إذ، يُبرَّر لسوريا أي تحرك عسكري أو أمني واسع عند الحدود بذريعة إنهاء الفوضى وفرض الأمن. وهذا يكفل، برأيهم، تعاوناً لبنانياً، حيث ستطلب بيروت مضاعفة الحضور السوري عند الحدود، وهذا ما قد يتيح لدمشق تعميق حضورها الأمني والعسكري بالاتفاق مع الدولة اللبنانية، وبحيث لا يصبح حضورها معادياً ويدفع الجيش اللبناني، مثلاً، إلى التحرك في مواجهة أي حركة سورية.
طبعاً، مشروع من هذا النوع له محاذيره، خاصة إن حصل الاحتكاك من جانب عشائر سنية أو شيعية، ما يعطي النزاع بعداً طائفياً لا تسعى إليه الدول الراعية لنظام الحكم في دمشق، وعلى رأسها تركيا. أيضاً، ثمة سبب آخر يعود إلى وجود عناصر قوة في يد حزب الله يمكن للحزب أن يستثمرها في أي حركة.
لكن الخشية الأهم لدى الشرع، بحسب ما يُنقل، هي من تحريك المياه الطائفية، إذ إن أي حركة سورية قد تُستتبع بحركة جهادية مناهضة للعلويين في شمال لبنان، خاصة أن الأجواء باتت مؤاتية. وفي حال حصول أي حركة تجاه علويي الشمال، قد تطال تأثيراتها منطقة الساحل السوري، حيث تجمع الأوساط الحالية على أن الشرع يريد ضبط الميزان في الساحل وعدم إتاحة المجال أمام العلويين السوريين لأي تحرك يحمل صفات «شد العصب الطائفي»، كي لا يتحول ذلك إلى حالة انفصالية أو تمردية على الدولة.
ويخشى الشرع من أبعادها الأمنية والسياسية، لا سيما أن النتائج التي تمخضت عن مجازر آذار 2025 ما تزال عناصر انفجارها متوفرة، ولكونه يخشى من أي تحرك طائفي معين قد يُستخدم ضد نظامه، أو ضد الدول المجاورة، كما في الحالة التركية.
الثابت في كل ما يجري أن دمشق تبحث عن فرض تأثير معين في لبنان، وهي بدأت تؤمّنه حالياً من خلال حضورها السياسي وحضور سفارتها، ولا بد أنها سوف تسعى إلى تطويره مستقبلاً. ومن الواضح أنها تعمل وفق منهج الفعل التراكمي، أي التقدم من مرحلة إلى أخرى بشكل متدرج ومنظم.
