حين يصل التهديد الأميركي بالقصف إلى عُمان، الحليف التقليدي لواشنطن والوسيط الذي حافظ لعقود على قنوات مفتوحة مع طهران، يصبح السؤال أكبر من مجرد تصريح ناري للرئيس دونالد ترامب: هل ما زالت لغة التهديد المتكرر تحقق الردع، أم أنها بدأت تفقد قيمتها وتضعف صورة الولايات المتحدة بدل تعزيزها؟

وبحسب مقال للكاتب دان بيري في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن ترامب قال، وفق ما نقلته “فوكس نيوز”: “إذا وقفت عُمان في طريقنا، فسنقصفها قصفًا مدمرًا”، في عبارة رأى الكاتب أنها قد تكون مألوفة نسبيًا عندما تُوجَّه إلى إيران، لكنها تصبح أكثر غرابة عندما تستهدف دولة حليفة للولايات المتحدة.

وتساءل بيري عمّا إذا كان هذا النوع من الخطاب فعالًا فعلًا، وما إذا كان يمثل طريقة جديدة لإدارة الجغرافيا السياسية، أو أن ترامب ذهب بعيدًا في استخدام لغة التهديد، داعيًا إلى الحديث بهدوء أكبر ولكن بوضوح أشد.

وأشار إلى أن عُمان طوّرت على مدى عقود معادلة دبلوماسية دقيقة، فكانت صديقة قريبة للولايات المتحدة، وشريكة لملَكيات الخليج، ووسيطًا مفيدًا بينها جميعًا، مع احتفاظها في الوقت نفسه بهامش من الاستقلال يسمح لها بالتحدث مع أطراف لا تستطيع واشنطن التواصل معها مباشرة.

ولفت إلى أن عُمان كانت أول دولة خليجية تستقبل علنًا زعيمًا إسرائيليًا، إسحاق رابين، عام 1994، لكنها مع ذلك لم تنضم إلى اتفاقات أبراهام.

ويرى الكاتب أن هذا التوازن، رغم ما قد يثيره من انزعاج لدى أطراف خارجية، خدم عُمان جيدًا، إذ حافظ على استقرارها وأمنها في واحدة من أكثر مناطق العالم خطورة، ومنح الإدارات الأميركية المتعاقبة قناة دبلوماسية إلى طهران.

وأضاف أن السلطنة، سواء في عهد السلطان قابوس الذي حكمها لسنوات طويلة أو في عهد خلفه السلطان هيثم، كانت في نهاية المطاف شريكًا يمكن الوثوق به.

ولهذا تحديدًا، يعتبر بيري أن السلوك العُماني الحالي يبدو أكثر غرابة، إذ تشير المعطيات، وفق مقاله، إلى أن مسقط تناقش مع السلطات في طهران آلية لإعادة فتح مضيق هرمز، الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، بما قد يمنح إيران دورًا في تنظيم حركة الملاحة وربما يشمل مدفوعات من السفن التجارية.

وأوضح أن التفاصيل لم تُحسم بعد، وأن عُمان قد تصف هذه المبالغ بأنها رسوم خدمات وليست رسوم عبور، وهي صيغة حاول مسؤولون إيرانيون استخدامها سابقًا، إلا أن الكاتب يرى أن أي صيغة من هذا النوع ستقوض بصورة جوهرية النظام القائم للتجارة البحرية العالمية.

وحذّر من أن العالم بأسره قد يواجه مخاوف تتعلق بالتضخم واضطراب سلاسل الإمداد، ولا سيما آسيا وأوروبا، إلا أن المشكلة الأبعد مدى ترتبط بمبدأ حرية الملاحة الذي كانت الولايات المتحدة ضامنًا له.

كما توقع أن تؤدي أي سابقة في هرمز إلى محاولات تقليد في نقاط اختناق بحرية أخرى، ليس فقط في باب المندب، حيث سبق أن عطّل الحوثيون المدعومون من إيران حركة الملاحة، بل أيضًا في البوسفور ومضيق ملقا ومضيق سوندا ومضيق جبل طارق ومواقع أخرى.

ورأى بيري أن الحرب الحالية كان يفترض أن تستهدف إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى وقف سعيه لامتلاك سلاح نووي، ووقف تسليح الميليشيات المسلحة في أنحاء المنطقة، والتوقف عن تطوير صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى أوروبا، وكذلك وقف قمع المتظاهرين.

وأشار إلى أنه يمكن انتقاد استراتيجية الحرب والفشل في بناء التحالفات والاستعداد للوضع في مضيق هرمز، وهو ما قال إنه فعله شخصيًا، لكنه اعتبر أن الأهداف نفسها كانت “عادلة”.

وحذّر من سيناريو معاكس تمامًا، يصبح فيه النظام الإيراني أقوى، والمنطقة أكثر اضطرابًا، ويتعرض الشعب الإيراني للخيانة، فيما تحقق الجمهورية الإسلامية، التي وصفها بأنها واحدة من أكثر الحكومات استبدادًا وكراهية في العالم، انتصارًا في هرمز، ما قد يوجه ضربة قاسية إلى المعارضة الإيرانية الديمقراطية.

وأكد أن هذا السيناريو لا ينبغي السماح بحدوثه، مرجحًا أنه لن يُسمح به بالفعل.

ورأى أنه إذا استمر الوضع بهذه الصورة، فقد تنضم دول حلف شمال الأطلسي هذه المرة إلى الولايات المتحدة، حتى لو اضطرت إلى تجاوز نفورها المفهوم من ترامب، مشيرًا إلى أن الخيارات قد تتراوح بين فرض حصار كامل وخانق على إيران وبين العودة إلى عملية عسكرية أكثر تدميرًا.

وأوضح أنه شخصيًا يفضّل الخيار الأول، حتى لو تكبد الاقتصاد العالمي أضرارًا مؤقتة.

إلا أن المشكلة، بحسب بيري، تكمن في الطريقة التي اختار ترامب إيصال الرسالة من خلالها، معتبرًا أنها أقل الطرق فائدة.

وأشار إلى أن تهديدات ترامب كانت في السابق قادرة على إحداث صدمة، ومنها قوله قبل 4 أشهر إن “حضارة كاملة ستموت” في إيران، وهي عبارة بدت مجنونة، لكنها حملت بعض المصداقية عندما بدا أنه يلمح إلى احتمال اندلاع حرب نووية.

أما حين تتحول مثل هذه التهديدات إلى أمر روتيني وتصبح مجرد استعراض للقوة، فهي، بحسب الكاتب، تضعف مكانة الولايات المتحدة وتجعلها تبدو يائسة.

وأضاف أن قادة إيران، بعدما اختبروا الحدود إلى هذه الدرجة، يبدو أنهم باتوا يعتقدون أن هذا هو الواقع بالفعل.

وشبّه بيري الوضع بقصة “الطفل الذي صرخ: ذئب”، حتى لو كان الذئب هذه المرة حاملة طائرات أميركية.

وأوضح أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل قدرة هائلة على التدمير والجميع يعرف ذلك، لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الرئيس مستعدًا لاستخدام هذه القوة في ظروف تترتب عليها أثمان سياسية واقتصادية واستراتيجية.

ويرى الكاتب أن الإجابة، في معظم الأحيان، تبدو “لا”.

ووصف التهديد بقصف عُمان بأنه يبدو “سخيفًا”، خصوصًا أن السلطنة شريك أمني للولايات المتحدة، وتسمح للجيش الأميركي بالوصول إلى أراضيها، كما لعبت لعقود دور قناة دبلوماسية بين واشنطن وطهران.

وأضاف أن مثل هذا التهديد يجعل صاحبه يبدو غير جدي، “وفي حالة ترامب، أقل جدية حتى”.

واستعاد بيري مقولة الرئيس الأميركي الأسبق ثيودور روزفلت الذي نصح الرؤساء بـ”التحدث بهدوء وحمل عصا كبيرة”، معتبرًا أن ترامب قلب هذه المعادلة.

فهو، وفق المقال، يتحدث بصوت مرتفع إلى حد الجنون، ورغم أنه يحمل “عصا كبيرة جدًا”، فإنه يبدو أيضًا اندفاعيًا واستعراضيًا وتتحكم به احتياجات تكتيكية فورية.

وأشار إلى أن ما يُعرف بـ”نظرية الرجل المجنون” يمكن أن ينجح عندما يعتقد الخصوم أن وراء اللامنطق الظاهري استعدادًا حقيقيًا لتحمل المخاطر، لكن ترامب، وفق بيري، يفشل غالبًا في ترسيخ هذا الاعتقاد.

ورأى الكاتب أن المسألة لا يجب أن تكون بهذا التعقيد، إذ إن لدى عُمان أسبابًا كثيرة خاصة بها لإبقاء هرمز مفتوحًا، كما أن لديها مصلحة كبيرة في الحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة.

وأوضح أن الاقتصاد العُماني يعتمد إلى حد كبير على الطاقة والتجارة الدولية، وأن علاقته الأمنية بواشنطن مهمة بصورة خاصة.

وذكّر بأن عُمان كانت أول دولة في الخليج تمنح الولايات المتحدة وصولًا عسكريًا رسميًا إلى منشآتها، ومنذ ذلك الحين طوّر البلدان تعاونًا أمنيًا واسعًا.

كما وسّع اتفاق أُبرم عام 2019 إمكانية الوصول الأميركي إلى ميناءي صلالة والدقم، مع قدرة ميناء الدقم على استقبال حاملات الطائرات الأميركية.

وأشار إلى أن عُمان تمتلك أيضًا احتياطات من النفط والغاز تمنح حكومتها هامشًا اقتصاديًا كبيرًا، فيما يبلغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة، ويوفر مستوى المعيشة فيها للسلطنة قدرًا من الاستقلال يمكن لدول كثيرة أن تحلم به.

وبالتالي، فهي ليست دولة فقيرة تبحث بصورة يائسة عن مصدر للدخل.

وفي حال اقتضت الحاجة، يرى بيري أن لدى الولايات المتحدة أدوات ضغط كبيرة على السلطنة، إلا أن جزءًا مهمًا من قوة هذه الأدوات يعود تحديدًا إلى أن واشنطن لا ترغب في استخدامها بطريقة مدمرة.

فيمكن للولايات المتحدة، وفق المقال، إعادة النظر في إمكانية الوصول العسكري، ومراجعة مبيعات الأسلحة وترتيبات الصيانة، وتقليص التعاون الاستخباراتي والأمني، وفرض عقوبات محددة على جهات تساعد آلية سيطرة إيرانية، فضلًا عن استخدام نفوذها الدبلوماسي والمالي الكبير لإيضاح أن قرارات عُمان ستكون لها تبعات.

كما يمكن لواشنطن تنسيق تحركاتها مع السعودية والإمارات وشركاء آخرين تتأثر مصالحهم مباشرة بمستقبل مضيق هرمز.

ووصف بيري هذه الأدوات بأنها وسائل ضغط حقيقية، ويمكن استخدامها بصورة تدريجية، بحيث تجعل واشنطن النتائج أكثر إيلامًا خطوة بعد خطوة، مع إبقاء طريق واضح أمام عُمان للتراجع.

ويرى أن هذه هي الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها قوة عظمى مع شريك تعتبر سلوكه غير مقبول: توضيح الثمن بصورة لا تقبل الالتباس، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة التي تسمح أساسًا بممارسة الضغط.

أما قصف عُمان، بحسب الكاتب، فسيحقق النتيجة المعاكسة تقريبًا، إذ سيدمر علاقة أميركية مهمة، ويهدد الوصول العسكري الأميركي، ويضر بقناة دبلوماسية ثمينة مع إيران، وقد يدفع مسقط إلى الاقتناع بأن أمنها المستقبلي يتطلب الاقتراب أكثر من طهران.

كما قد يحول خلافًا يتعلق بترتيبات الملاحة إلى شرخ جيوسياسي أوسع بكثير، ويجعل الولايات المتحدة تبدو أقل كقوة عظمى واثقة تستخدم أدوات الضغط، وأكثر كقوة غاضبة توحي بأنها استنفدت الخيارات الأفضل.

ولهذا، يدعو بيري واشنطن إلى مخاطبة عُمان كما تخاطب “صديقًا ارتكب خطأ بالغ الخطورة”.

كما طالبها بأن توضح بصورة قاطعة، وهو أمر قال إن ترامب لم يفعله بصورة غريبة، أن المجتمع الدولي لن يسمح بترتيب يمنح طهران قدرة معترفًا بها على تنظيم الملاحة الدولية في المضيق أو تحقيق عائدات منها.

ويرى أن على الولايات المتحدة إبلاغ عُمان بأنها تفضّل حل المسألة بين الأصدقاء، وأن استمرار التعاون يمنح السلطنة فوائد هائلة، فيما سيؤدي استمرار المساعدة في إنشاء آلية إيرانية داخل هرمز إلى تغيير طبيعة العلاقة بالضرورة.

ووفق الكاتب، فإن الوصول العسكري، ومبيعات السلاح، والتعاون الاستخباراتي، والعلاقات المالية، والدعم الدبلوماسي، كلها ملفات يجب أن تصبح موضع مراجعة إذا اختارت مسقط تجاوز هذا الخط.

ويخلص بيري إلى أن الجزء المتعلق بالعواقب على عُمان يجب نقله بهدوء وبوضوح تام، من دون ترك مساحة للمناورة ومن دون تهديدات مسرحية، معتبرًا أن هذا هو شكل الردع الحقيقي: حمل “عصا كبيرة” فعلًا، ومحاولة عدم استخدامها، والأهم عدم تكرار الصراخ بـ”الذئب” حتى تفقد التهديدات صدقيتها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version