460 مليون شيكل وضعت الحكومة والكنيست أمام اختبار قضائي حساس في عزّ فترة الانتخابات، بعدما دخلت المحكمة العليا الإسرائيلية على خط تحويلات مالية أُقرت خلال عطلة الكنيست، وسط اتهامات باستخدام أموال عامة لأهداف سياسية وانتخابية، في مقابل تمسّك البرلمان ووزارة المالية بأن الإجراءات تمت بصورة قانونية ولا تستدعي أي تدخل قضائي.
وبحسب تقرير للصحافية آنا برسكي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، نظرت المحكمة العليا الإسرائيلية صباح الثلاثاء، بهيئة مؤلفة من القضاة دافيد مينتس وخالد كبوب وروت رونين، في التماس قدمته جمعية “حدوش – من أجل حرية الدين والمساواة” وعضو الكنيست نعمة لزيمي من حزب “الديمقراطيين”، ضد الكنيست ورئيس لجنة المالية حانوخ ميلفيتسكي ورئيس الكنيست أمير أوحانا، بشأن تحويل أموال ائتلافية بعد دخول الكنيست في عطلته.
وأبدت المحكمة استغرابها من أن الطلبات المالية نفسها تضمنت ملفات تدخل ضمن تعريف “الحالات الخاصة”، إلى جانب ملفات أخرى لا تندرج ضمن هذا التصنيف، وبالتالي لا يملك رئيس الكنيست أصلًا صلاحية السماح بمناقشتها.
وقالت المحامية د. يفعات سوليل، التي مثّلت مقدمي الالتماس، خلال الجلسة إن الأمر يشبه “وضع قطعة ماتسا على مائدة عيد الفصح، ثم وضع خبز البيتا حولها، والقول إن الماتسا تجعل المائدة كلها متوافقة مع القواعد”.
واقترحت المحكمة الإفراج فقط عن الأموال التي تُعد عاجلة، وإعادة باقي المبالغ إلى وزارة المالية لكي تحدد ما هو عاجل وما هو غير ذلك.
وقبيل انتهاء الجلسة، طلب وزير المالية، عبر النيابة العامة، عرض موقفه، داعيًا المحكمة إلى منع تقسيم الطلبات المالية واتخاذ قرار فوري بشأن إبقاء الأمر المؤقت قائمًا أو رفعه عن جميع الأموال دفعة واحدة، على أن تصدر المحكمة قرارها لاحقًا.
وفي موقف حاد، قالت د. يفعات سوليل، نائبة المدير العام والمستشارة القانونية لجمعية “حدوش”: “إعلان وزير المالية أمام المحكمة يبدو كإعلان صادر عن رجل مافيا، وهكذا يجب النظر أيضًا إلى مجمل الطلبات المالية التي أقرتها لجنة المالية بشكل غير قانوني، والتي جرى من خلالها تحويل مئات ملايين الشواكل من أموال الجمهور إلى قطاعين ترغب الحكومة في تفضيلهما”.
من جهتها، قالت عضو الكنيست نعمة لزيمي إن “وزير المالية يتصرف بطريقة مافيوية أمام قضاة المحكمة العليا، ويطالب بربط ميزانيات مهمة كرهائن إلى جانب أموال ائتلافية تُمنح لقطاعات مقربة من السلطة، في ما يشكل رشوة انتخابية بكل معنى الكلمة”.
وأضافت أن “سموتريتش يحاول تهديد المحكمة ومنعها من اتخاذ القرار الأكثر منطقية، إذ يتوجب على الحكومة والكنيست تبرير الحاجة الملحة إلى تحويل كل شيكل من الأموال العامة عشية الانتخابات، وفق ما تفرضه إجراءات الكنيست”.
وتابعت: “لن نسمح بمواصلة سحق مكانة الكنيست وتحويل أموال الجمهور إلى بنك خاص لأحزاب الائتلاف”.
ويستند الالتماس إلى ما وصفه بـ”الانعقاد غير القانوني للجنة المالية في الكنيست بتاريخ 4 آب 2026، بعد أن كان الكنيست قد دخل عطلة الانتخابات في 18 تموز 2026، ورغم عدم الحصول على موافقة لجنة التوافقات لعقد الجلسة، مع استخدام قوة الائتلاف خلافًا لواجب ضبط النفس والتقيّد المفروض على الحكومة والكنيست خلال فترة الانتخابات”.
وبحسب الالتماس، أُقرت خلال تلك الجلسة “تحويلات مالية واسعة النطاق، بينها نحو 460 مليون شيكل من الأموال الائتلافية، إلى جانب مئات ملايين الشواكل الإضافية لأهداف سياسية لا تُصنف كأموال ائتلافية”.
وأضاف مقدمو الالتماس أن ذلك جرى “خلافًا للترتيب القانوني المحدد لعطلة الكنيست، والمنصوص عليه في قانون الكنيست وقرار لجنة الكنيست الذي أرسى الترتيب الأساسي، والذي سمح بعقد جلسة واحدة فقط للجنة المالية، كان هدفها الأساسي استكمال مناقشات بدأت قبل دخول الكنيست عطلة الانتخابات، وقد عُقدت هذه الجلسة في 29 تموز 2026”.
كما جاء في الالتماس أنه “رغم مطالب مقدمي الالتماس وآخرين قبل انعقاد اللجنة بصورة غير قانونية، لم تُعرض أمام اللجنة أي فتوى قانونية تحدد وتبرر الأساس القانوني لعقد الجلسة”.
وأضاف أنه في يوم انعقاد اللجنة، أبلغ رئيسها الأعضاء شفهيًا بأن المصدر القانوني هو قرار صادر عن رئيس الكنيست، إلا أن “مثل هذا القرار، إذا كان قد صدر خطيًا أصلًا، لم يوضع أمام اللجنة ولم يُرسل إلى أعضائها”.
ويرى مقدمو الالتماس أن رئيس اللجنة “قرر عقد اجتماع لجنة المالية من دون وجود مصدر قانوني يمنحه صلاحية عقدها”، كما يعتبرون أن أوحانا، في حال سمح أو أمر بعقد اللجنة، “تجاوز صلاحياته من دون أن تُعرض أمامه قاعدة مفصلة وموضوعية ومهنية تثبت أن البنود المدرجة على جدول أعمال الجلسة والقرارات التي يرغب رئيس اللجنة في تمريرها تدخل ضمن استثناء الحالات الخاصة”.
في المقابل، رد رئيس لجنة المالية ورئيس الكنيست أمير أوحانا، عبر يتسحاق برط من الاستشارة القانونية للكنيست، بالقول إنه “لم يقع أي خلل في القرار يبرر تدخلًا قضائيًا في قرار برلماني داخلي”.
وأضاف الرد أن “اللجنة انعقدت وفق أحكام النظام الداخلي للكنيست، وبما يتوافق مع الطريقة التي جرى العمل بها في فترات انتخابية سابقة”.
وأشار إلى أن “جميع الطلبات المالية أحالتها وزارة المالية إلى لجنة المالية بعد أن صادقت عليها جميع الجهات الحكومية المعنية، بما في ذلك الجهات القانونية الاستشارية، ولذلك فهي تتوافق مع الإجراءات المعمول بها”.
كما جاء في الرد أن “الحكومة الإسرائيلية ليست حكومة انتقالية، فالانتخابات لم تُجر بعد، والحكومة لم تستقل”.
وفي موازاة ذلك، أكدت وزارة المالية، التي مثّلتها النيابة العامة، أنه لم يتم العثور على أي مانع قانوني من ناحية عمل الحكومة يحول دون مناقشة تحويل الأموال الائتلافية، فيما لا تزال عمليات الفحص المهنية مستمرة.
وبذلك، لم تعد القضية تتعلق فقط بـ460 مليون شيكل، بل تحولت إلى مواجهة أوسع حول حدود صلاحيات الحكومة والكنيست في فترة الانتخابات، والفاصل بين إدارة المال العام وبين استخدامه في معركة سياسية بات القضاء نفسه طرفًا مباشرًا في حسم قواعدها.

