بدأت الشكوك تحوم حول الزوج مع اختفاء زوجته في ظروف غامضة. كان الزوج غادر إلى سوريا عقب اختفائها، متحججاً بوفاة والده. بعد أيام، عاد الرجل إلى لبنان، وفوراً توجّه إلى فصيلة عرمون للسؤال عن مصير شريكة حياته وقام بالمشاركة في البحث عنها محاولاً إبعاد الشبهات عنه.
لكنّ المعطيات التي جمعتها الأجهزة الأمنية، من حركة اتصالات وكاميرات مراقبة، بدأت تُضيّق الخناق عليه، بالتزامن مع العثور على جثة مُتحلّلة في منطقة حرجية في قبرشمون. وسرعان ما انتقل الزوج من موقع الباحث عن زوجته إلى المشتبه به بقتلها والتخلص من جثتها، ليتم توقيفه بعد تعزيز الشبهات حوله ولتبدأ التحقيقات التي كشفت تفاصيل الجريمة.
وبعد أشهر من وقوع الحادثة، انهت قاضية التحقيق الأول في جبل لبنان ندى الأسمر تحقيقاتها في القضية، ووصلت الى أدلة حاسمة تحملها على الظنّ بالمدعى عليه السوري “صالح. ز”(مواليد العام 1994) بجرم قتل زوجته عمداً وطلبت إحالته للمحاكمة أمام محكمة الجنايات.
وفنّدت وقائع القرار الظني تفاصيل القضية، حيث أن والدة الضحية “نسرين.ج” حضرت في 12 تشرين الثاني الماضي، إلى فصيلة عرمون، وأبلغت عن اختفاء ابنتها من منزل زوجها، مشيرة إلى أن الأخير غادر إلى سوريا.
وفي 15 تشرين الثاني، عُثر على جثة متحللة في منطقة قبرشمون، فتعرّفت الوالدة على ما بقي من ملابس ابنتها، ورجّحت أن تكون الجثة عائدة إليها. وأفادت بأنها كانت تتواصل باستمرار مع “نسرين” عبر تطبيق “واتساب”، وأن آخر تواصل بينهما كان في 30 تشرين الأول. كما أشارت إلى أن الزوج اتصل بها في 11 تشرين الثاني وأخبرها بأن ابنتها أبلغته بأنها متوجهة إلى منزل ذويها، قبل أن يتوقف هاتفها عن الاستجابة.
وأظهرت متابعة كاميرات المراقبة مرور سيارة المدعى عليه باتجاه جسر القاضي وقرب مكان رمي الجثة، فيما بيّن تحليل الاتصالات والحركة الجغرافية لهاتفه مُعطيات ربطته باختفاء زوجته، إضافة إلى مغادرته الأراضي اللبنانية إلى سوريا في 11 تشرين الثاني.
وبحسب القرار، اعترف المدعى عليه خلال التحقيق الأولي بقتل زوجته، بعدما كان قد ادعى بدايةً أنه ضربها خلال خلاف بينهما واتهامه لها بالخيانة، وقال أنها وقعت وارتطم رأسها بحافة المجلى وفارقت الحياة. وأضاف أنه لم يخبر أحداً من عائلته عن جريمته، سيما وأنه تزوج المغدورة سراً، قائلاً أنه بعد ثلاثة أيام عاد إلى لبنان، وتوجه إلى فصيلة عرمون للسؤال عن زوجته بدون التوجه إلى قبرشمون.
إلا أن مواجهته بنتائج الكشف على منزله وسيارته، وظهور تفاعل لمادة “اللومينول” على حائط داخل المنزل وعلى دعسات المقعد الخلفي للسيارة، دفعته إلى الإدلاء برواية مختلفة. فأفاد بأنه عاد إلى المنزل قرابة الثامنة مساء، ووقع خلاف بينه وبين زوجته، قبل أن يحمل سكيناً كانت موجودة على الغاز ويطعنها في بطنها. وبعد سقوطها أرضاً وهي لا تزال على قيد الحياة، تابع اعتداءه عليها وأحدث جرحاً عميقاً في عنقها، ما أدى إلى وفاتها.
بعد الجريمة، عمد الجاني وفق إفادته الأولية، إلى تنظيف المكان بالمياه وسائل الجلي، ثم لفّ الجثة بأكياس نايلون ووضعها على المقعد الخلفي لسيارته. وعاد لاحقاً إلى تنظيف المنزل مستخدماً المياه وسائل الجلي ومادة “الفلاش” ومسح آثار الدماء عن الحائط والأرض. وعند نحو الرابعة فجراً، نقل الجثة إلى منطقة حرجية في قبرشمون ورماها هناك من دون الأكياس، تفادياً لترك بصمات عليها. ثم توجّه إلى منطقة الهلالية في صيدا، حيث رمى السكين والأكياس في البحر، قبل أن يتوجه إلى المدينة الصناعية لإصلاح سيارته ويعود إلى منزله.
في اليوم التالي، اتصل بوالدة زوجته وأخبرها بأن “نسرين” لا تجيب على اتصالاته، ثم تظاهر بالبحث عنها مع ذويها ورافق والدتها إلى فصيلة عرمون لتقديم بلاغ عن فقدانها. وبعد ذلك توجه إلى سوريا، حيث أفاد بأنه باع ذهباً ومصاغاً عائداً لزوجته بمبلغ أربعة آلاف دولار، قبل أن يعود إلى لبنان بعد ثلاثة أيام ويتوجه إلى فصيلة عرمون للسؤال عنها.
وأمام قاضية التحقيق، عاد الزوج وأنكر ما أُسند إليه، وقال إن إفادته الأولية انتُزعت تحت ضغط الضرب، نافياً حصول خلاف مع زوجته، مؤكداً أنها غادرت المنزل في 31 تشرين الأول ولم تعد، وأنه لا يعرف ما حصل لها. ثابر المدعى عليه على إنكاره رغم مواجهته بالأدلة وبما سبق أن اعترف به في التحقيق الأولي، واتخذت والدة الضحية صفة الادعاء الشخصي بحق المدعى عليه، مؤكدة وجود مشاكل سابقة بين ابنتها وزوجها. كما استمعت القاضية الأسمر، إلى النقيب الذي تولى التحقيق الأولي مع الزوج، مؤكداً أن الأخير لم يتعرض لأي ضغط أو ضرب، وأنه اعترف بالجريمة من تلقاء نفسه بعد مواجهته بالأدلة، ودلّ عناصر قوى الأمن على مكان الجثة، مشيراً إلى أنه كان يدلي بتفاصيل ما حصل “ببرودة أعصاب”، من دون ضغط أو إكراه.
