مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه أمام معركة انتخابية صعبة، لكن المفاجأة هذه المرة تأتي من واشنطن، حيث يمتنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حتى الآن عن منحه ورقة دعم علنية، رغم العلاقة الوثيقة التي جمعت الرجلين طوال سنوات. وأكدت مصادر متقاطعة أن الانتخابات ستُجرى في هذا الموعد بعد حل الكنيست في تموز.
وبحسب تقرير نشره موقع “أكسيوس” اليوم الجمعة، سُئل ترامب 4 مرات خلال الأسابيع الأخيرة عما إذا كان يؤيد نتنياهو في الانتخابات، لكنه تجنب في كل مرة إعلان دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي، في موقف يكتسب أهمية إضافية مع تراجع الائتلاف الذي قاده نتنياهو في استطلاعات الرأي.
ولم تبقَ الانتخابات بعيدة عن اللقاءات المباشرة بين الرجلين، إذ حضرت خلال اجتماع ترامب ونتنياهو في المكتب البيضاوي قبل نحو أسبوعين، عندما سأل الرئيس الأميركي ضيفه عن وضعه في استطلاعات الرأي قبل استحقاق تشرين الأول.
وبحسب مسؤول أميركي مطلع على الحوار تحدث إلى “أكسيوس”، توقف نتنياهو للحظات قبل أن يتدخل أحد مستشاريه ليؤكد لترامب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “يفوز”. إلا أن الأرقام التي أوردها التقرير ترسم صورة أكثر تعقيدًا.
فالاستطلاعات التي استند إليها “أكسيوس” تمنح الائتلاف الحالي لنتنياهو ما بين 49 و53 مقعدًا، مقابل 68 مقعدًا كان يمتلكها، في حين يحتاج أي معسكر إلى 61 مقعدًا على الأقل لتشكيل حكومة. كما أظهرت استطلاعات حديثة تقدم رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت على نتنياهو في بعض مؤشرات تفضيل الجمهور لرئاسة الحكومة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن معركة نتنياهو قد لا تقتصر على محاولة الوصول بنفسه إلى عتبة الـ61 مقعدًا، بل قد تقوم أيضًا على منع خصومه من تكوين أغلبية قادرة على تشكيل حكومة بديلة، ما قد يقود إلى مأزق ائتلافي جديد إذا عجز الطرفان عن جمع العدد المطلوب.
لكن وراء الصمت الأميركي ما هو أبعد من الحسابات الانتخابية.
ففي الأسابيع الأولى من المواجهة مع إيران، كان بعض المقربين من ترامب يتوقعون أن يعلن الرئيس الأميركي دعمه لنتنياهو، لا سيما بعدما كان ترامب قد أظهر دعمًا سياسيًا وشخصيًا واضحًا له في مراحل سابقة.
إلا أن مسؤولين أميركيين رفيعين قالوا لـ”أكسيوس” إن ترامب، رغم استمرار علاقته الشخصية الجيدة بنتنياهو، بات يشعر بإحباط متزايد حيال بعض قراراته وسياساته، مع اتساع التباينات بين واشنطن وتل أبيب خلال الأشهر الأخيرة بشأن إيران ولبنان وغزة.
وذهبت مصادر تحدثت إلى ترامب أبعد من ذلك، إذ نقلت عنه وصفه نتنياهو بأنه “أسوأ عدو لنفسه”، في تعبير يعكس حجم الضيق الأميركي من بعض خطوات رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وكان ملف غزة من أحدث نقاط الاحتكاك، بعدما رفض نتنياهو علنًا خطة طرحها ترامب بشأن مستقبل القطاع ونزع سلاح حماس، متمسكًا بعدم انسحاب إسرائيل قبل نزع سلاح الحركة بالكامل. وأثار هذا الموقف تساؤلات حول مستقبل الخطة الأميركية وآلية تنفيذها.
وفي المقابل، تنظر الإدارة الأميركية إلى جزء من خطاب نتنياهو في هذه المرحلة من زاوية انتخابية، في ظل محاولته الحفاظ على تماسك قاعدته السياسية واليمينية قبل موعد الاقتراع.
ومن المنتظر أن يدخل ملف غزة مرحلة جديدة الأسبوع المقبل، مع زيارة مرتقبة لجاريد كوشنر إلى إسرائيل ومصر لإجراء محادثات بشأن الخطوات المقبلة في المبادرة الأميركية، على أن يلتقي نتنياهو وعددًا من كبار المسؤولين الإسرائيليين. وتريد واشنطن، وفق “أكسيوس”، منع الانتخابات الإسرائيلية من تعطيل تنفيذ خطتها.
وفي الوقت نفسه، تحوّل موقف ترامب نفسه إلى عنصر في الحملة الانتخابية الإسرائيلية.
فبحسب “أكسيوس”، أبدى عدد من أبرز خصوم نتنياهو، ومن بينهم آيزنكوت ورئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد، خشيتهم من أن يقدم ترامب في نهاية المطاف على دعم نتنياهو، وسعوا عبر قنوات سياسية وشخصيات مشتركة إلى تشجيع البيت الأبيض على البقاء خارج السباق.
وتراقب واشنطن نتائج الانتخابات باهتمام كبير، إذ يمكن لهوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة أن تؤثر مباشرة في ملفات أساسية على أجندة ترامب الإقليمية، من غزة إلى لبنان وإيران وسوريا.
أما نتنياهو، فيدخل الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات فيما الأرقام لا تمنحه طريقًا مريحًا إلى الأغلبية، وفيما لا تزال إحدى أوراقه السياسية المحتملة معلقة في واشنطن.
ترامب يستطيع أن يمنحه تأييده في أي لحظة، لكن بعد 4 أسئلة و4 مرات امتنع فيها عن ذلك، لم يعد الصمت مجرد تفصيل عابر في السباق الإسرائيلي.

