خاص موقع Jnews Lebanon
لم تكن الجلسة التشريعية لمجلس النواب بالأمس مجرد محطة عادية في جدول أعمال النجمة، بل تحوّلت إلى مسرح لاستعراض التناقضات الفاقعة في بنية الدولة اللبنانية. ففي وقت كانت فيه الأنظار تتجه صوب العاصمة الإيطالية روما التي تُحضر لاستضافة الجولة الثامنة من المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي مطلع أيلول المقبل، خطفت صدمات الداخل الأضواء؛ بين خطوة حقوقية تاريخية تمثلت بإلغاء عقوبة الإعدام، وانتكاسة سوداء للحريات بإقرار قانون إعلام يُشرّع سجن الصحافيين، وصولاً إلى انفجار خلاف حاد تحت القبة بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى حول قانون العفو العام ومرجعية القرار، وسط أسئلة مفتوحة حول الجلسة التشريعية ونواف سلام وقانون الإعلام والمكاسب النيابية المحصنة.
خاص Jnews: صدام السرايا واليرزة داخل ساحة النجمة.. من يمسك بقرار المؤسسة العسكرية؟
علمت مصادر “Jnews Lebanon” من أوساط نيابية بارزة حضَرت الجلسة، أن الخلاف الذي وقع بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع الوطني ميشال منسى لم يكن وليد لحظته، بل عكس تراكمات مكتومة وحساسية في توزيع الصلاحيات بين الرئاستين الأولى والثالثة والقيادة العسكرية حول ملف العفو العام الحساس.
وفق معلومات “Jnews Lebanon”، فإن طلب سلام من منسى المغادرة وعدم إلقاء كلمة تتضمن ملاحظات المؤسسة العسكرية جاء تحت مبرر “التضامن الوزاري” والتزام الدستور الذي ينص على أن رئيس الحكومة هو المتحدث الوحيد باسمها. غير أن إصرار منسى على عرض موقف الجيش ورفضه التنازل عن هذه المداخلة أربك رئيس المجلس نبيه بري، الذي حاول الدخول على خط التهدئة لتمرير الصفقة والتسوية النيابية حول العفو، قبل أن ينتهي المشهد بتطيير النصاب في الجلسة المسائية عقب انسحاب كتلتي “العونية” و”حزب الله” واعتراض سلام الصارم على تدخل رئيس المجلس في الشأن التنفيذي.
بين إنجاز “إلغاء الإعدام” و”قمع الصحافة”: ازدواجية برلمان ممدد لنفسه
في المفارقة الحقوقية، أقرّ المجلس اقتراح القانون القاضي بإلغاء عقوبة الإعدام وتعديله، وهو ما وصفه وزير العدل عادل نصار بـ”الخطوة التاريخية التي تُزيل العقبات أمام التعاون القضائي الدولي ولا تعني إطلاقاً التساهل مع الجرائم الخطيرة”، رغم انسحاب كتلة “حزب الله” اعتراضاً على القرار.
ولكن هذه الصورة الحقوقية المشرقة سرعان ما انكسرت في الجلسة المسائية، حين فاجأ المجلس الممدد لنفسه الجسم الصحافي بإسقاط 23 تعديلاً كانت معدة على قانون الإعلام، وتمرير صيغة تُبقي على عقوبة سجن الصحافيين والإعلاميين وتفرض قيوداً مشددة على حرية التعبير. وهو ما دفع نقابتي الصحافة والمحررين للدعوة إلى مؤتمر صحافي طارئ اليوم للرد على هذا “الانتكاس التشريعي”.
الدبلوماسية تحت النار: خرائط طريق في روما وتفاؤل أميركي من البلمند
على المقلب التفاوضي، كشف مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن الجولة الثامنة من المفاوضات ستنطلق في روما مطلع أيلول، تسبقها لقاءات مكثفة بين بيروت والقدس وواشنطن تثبيتاً للمسار الإيجابي وقطعاً الطريق على أي محاولات للعرقلة. وأكد المسؤول أن الجولة المقبلة ستشهد تقديم لبنان لـ”خرائط طريق تفصيلية” لتأمين مناطق جديدة بالتزامن مع التقدم الميداني.
وفي السياق ذاته، نقل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى من المقر البطريركي في البلمند عقب لقائه البطريرك يوحنا العاشر يازجي، أجواءً مفعمة بالتفاؤل، مؤكداً أن المفاوضات تحقق حلاً جديداً في كل جولة، وأن الرئيس دونالد ترامب مهتم بتحقيق السلام في لبنان. وهو ما تقاطع مع موقف رئيس الجمهورية الذي أكد أن “التفاوض أفضل من نتائج الحرب المدمرة”، شديداً على أنه “حان الوقت لابن الجنوب أن يرتاح ويستقر في أرضه”.
تفكيك مشهد التناقضات اللبنانية
يستخلص التحليل الاستراتيجي لـ Jnews Lebanon ثلاث حقائق تحكم المشهد السياسي والنيابي اليوم:
- تصدع السقف الحكومي: إن الخلاف النافر بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع يُظهر هشاشة التماسك الداخلي للحكومة أمام الملفات السيادية والأمنية الكبرى كقانون العفو.
- اغتيال الحريات لحماية السلطة: إن إصرار المجلس النيابي على إبقاء عقوبة سجن الصحافيين يعكس رغبة الطبقة السياسية في تحصين نفسها ضد كشف الملفات الاستقصائية والفضائح المالية.
- فصل المسارين التفاوضي والداخلي: رغم التخبيص التشريعي والصدام الحكومي، تظل مظلة المفاوضات الإقليمية في روما محمية بقرار دولي ورئاسي لتطبيق حلول ناعمة وتثبيت الاستقرار الجنوبي.
“مصدر حكومي لـ Jnews: موقف رئيس الحكومة نواف سلام في الجلسة التشريعية كان حاسماً في منع تجزئة السلطة التنفيذية أمام البرلمان.. والجيش ليس طائفة أو فريقاً ليتحدث بلسان مستقل داخل مجلس النواب.”

