بين التصعيد الإسرائيلي المستمر في جنوب لبنان والمفاوضات التي لم تتوقف بين لبنان وإسرائيل، ثمة عامل أساسي لا يمكن إغفاله، يتمثل في الحفاظ على تماسك الدولة اللبنانية ومنع انهيار دورها في الجنوب.

وتتجلى أهمية ذلك في استمرار انتشار الجيش في مناطق مختلفة من الجنوب، بما فيها مناطق متقدمة، إذ إن توليه إدارة الوضع الميداني في المناطق المشمولة بالترتيبات الأمنية عزز حضور الدولة المركزية على الأرض. والأهم أن المؤسسة العسكرية بقيت موحدة، خلافاً لما حصل قبل نحو 50 عاماً، عندما شهد الجيش انقساماً حاداً أدى إلى تشظيه.

لقد أصبحت تلك المرحلة جزءاً من الماضي، فيما يشكل تحصين الجيش اليوم أولوية لبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب. وفي الواقع، يمثل الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية ومكانتها صمام أمان للدولة، إذ إن أي انهيار أو تشرذم قد يفتح الباب أمام تكرار نماذج عرفها لبنان في الماضي، مثل “جيش لبنان الجنوبي”.

واليوم، يشكل الجيش خط الدفاع الأول عن الجنوب بفضل تماسكه وانتشاره. وتدرك الولايات المتحدة أهمية هذا الواقع، إذ إن أي انفراط في المؤسسة العسكرية قد يصب، بالدرجة الأولى، في مصلحة “حزب الله”، وهو ما يتعارض مع هدف تعزيز سلطة الدولة، باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء الاحتلال.

وبعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، كان لبنان أمام محطة مفصلية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، فجرى تعزيزها وتحريرها من الانقسامات الطائفية التي طبعت سنوات الحرب الأهلية. أما اليوم، فعلى الرغم من الصعوبات التي يواجهها الجيش، فإنه يواصل تنفيذ مهماته بكامل عديده، ومن خلال عناصر ينتمون إلى مختلف الطوائف اللبنانية، بما يعكس وحدة المؤسسة الوطنية.

وفعلياً، يشكل كل ذلك ورقة قوة بيد لبنان، ويؤكد أن تماسك الدولة يعزز موقعها خلال المفاوضات مع إسرائيل. وتبقى هذه المسألة ركيزة أساسية يسعى لبنان إلى تكريسها في المحافل الدولية، انطلاقاً من أن طريق الاستقرار لا يمر إلا عبر تعزيز الجيش وتقوية مؤسسات الدولة، بالتوازي مع التوصل إلى ترتيبات أمنية تنهي حالة الحرب، على غرار تجارب شهدتها دول أخرى.

وفي المحصلة، فإن معركة الجنوب لا تقتصر على الميدان أو طاولة المفاوضات، بل تمتد أيضاً إلى معركة تثبيت مؤسسات الدولة. ومن هنا، يشكل الحفاظ على تماسك الجيش وتعزيز حضوره الركيزة الأساسية لأي مسار يقود إلى استعادة الاستقرار وإنهاء الاحتلال، فيما يقاس نجاح لبنان ليس فقط بما يحققه في المفاوضات، بل أيضاً بقدرته على صون مؤسساته العسكرية وترسيخ سلطة الدولة على كامل أراضيها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version