في زمن تتسابق فيه الدول لتشكيل تكتلات اقتصادية تعزز قدرتها على مواجهة الأزمات، يبدو لبنان وسوريا والعراق أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء شراكة اقتصادية قادرة على تحقيق مكاسب مشتركة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة.

فالدول الثلاث ترتبط بجغرافيا واحدة، وتاريخ تجاري طويل، ومع ذلك، بقي التعاون الاقتصادي بينها أقل بكثير من الإمكانات المتاحة، نتيجة الحروب، والأزمات السياسية، والعقوبات، وضعف البنية التحتية، إلا أن الامور اختلفت اليوم، وبتنا امام مرحلة يمكن وصفها بالواعدة من النواحي كافة.
إذ ان لبنان يحتاج إلى سوق للتصدير يعيد الحياة إلى قطاعاته الإنتاجية التي تعاني من الانكماش، أما سوريا، فهي تشكل المعبر البري الطبيعي بين لبنان والعراق، ما يجعل أي حركة تجارية بين بيروت وبغداد مرتبطة حكماً بدمشق.
يوضح مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني أن من اهم أشكال التعاون، هي بلا شك، في قطاع الطاقة، فالعراق يمتلك فائضاً من النفط والغاز، ويمكن في هذا الإطار، الاستفادة من مشروع استجرار الغاز المصري عن طريق الخط العربي إلى لبنان عبر سوريا، حيث أن لبنان بإمكانه أن يشغّل معامل الكهرباء بواسطة الغاز، من خلال الاستفادة من انابيب الغاز، والتي كانت فُعّلت لفترة قصيرة ومن ثم توقفت.
ويشرح مارديني في حديث لموقع MTV أن ربط لبنان بالشبكة العربية من خلال سوريا مهم جدا في ما يعلق بقطاع الطاقة، لأنه سيسمح للبنان بالاستفادة من هذه الشبكة لاستيراد الكهرباء والحصول على استقرار طاقويّ، مشيرا في الوقت عينه إلى أنه كان هناك مشروع من البنك الدولي يمرّ عبر الأردن، عن طريق سوريا، كما هناك مشروع آخر أيضا يمتد من تركيا، إلا أن العائق الأساسي يكمن في الأجزاء المهدّمة من الشبكة في سوريا جراء سنوات الحرب.
ويلفت إلى ان المسار الثلاثي من التعاون الاقتصادي بين العراق وسوريا ولبنان ستكون له نتائج إيجابية عدة، خصوصا في ما يتعلق بإعادة تفعيل مصفاة طرابلس، وبخط النفط الذي يمتدّ من العراق إلى مصافي البداوي في الشمال، مشددا على أن العراق اليوم بحاجة إلى تنويع المخاطر لأنها اكتشفت خطورة إغلاق مضيق هرمز عليها وضرورة إيجاد خطط بديله عنه أي تنويع الخيارات للتصدير.
ويلفت مارديني إلى اهمية إعادة تفعيل خطوط النقل البري بين الدول الثلاث والتي من شأنها تخفيض كلفة الشحن بشكل كبير، وتقليص المدة التي تحتاجها البضائع في عملية التصدير كما الاستيراد، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية في الأسواق العراقية.
كلّ ما تقدّم، ينعكس إيجابا على الناتج المحلي ويحسّن القدرة على المنافسة، كما انه يعيد دمج لبنان وسوريا في المحيط العربي سياسيا واستراتيجيا واقتصاديا، مع تحويلهما إلى مراكز لتخزين النفط وتصديره.

يحتاج لبنان اليوم إلى كل نافذة اقتصادية تساعده على الخروج من أزمته المالية، وتحتاج سوريا إلى إعادة تنشيط تجارتها، فيما يسعى العراق إلى تنويع شراكاته الاقتصادية وتعزيز دوره الإقليمي… وعندما تتحول الجغرافيا من حدود تفصل الدول إلى جسور تربط اقتصاداتها، يكون الجميع رابحاً.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version