في مسارٍ إستنزافي خطير، يسلك مسار روما التفاوضي يومه الثالث، إذ تستفيد إسرائيل من عامل الوقت من أجل تثبيت وقائع جديدة على الأرض. فما يحصل يومياً على أرض الجنوب، يدفع سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة هشام حمدان، إلى رسم صورةً قاتمة لما يواجهه لبنان، محذراً من أنه لم يعد يملك ترف الإنتظار أو الإكتفاء بالمفاوضات في روما، وعليه الإنتقال إلى مبادرة سياسية ودبلوماسية عاجلة تُخرجه من دائرة الإرتهان الإقليمي قبل أن تنفجر الأوضاع بالكامل.

ويؤكد السفير حمدان ل”ليبانون ديبايت”، أن الدولة اللبنانية اتخذت في المرحلة الماضية قراراً وطنياً مهماً باستعادة الإمساك بالواقعين السياسي والأمني، إلاّ أنه يجب استكماله بخطوات أكثر جرأة، لأن

بقاء لبنان في المفاوضات التي تُعقد في روما، لم يعد يخدم المصلحة اللبنانية، بل تحوّل إلى عنصر ضعف يمنح إسرائيل فرصة إضافية لمواصلة عملياتها العسكرية وفرض وقائع جديدة، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن الوقت الضائع.

ويذهب حمدان أبعد من ذلك، مؤكداً أن أي رهان على نجاح هذا المسار يبقى وهماً، ما دامت المنطقة تعيش على وقع المواجهة الكبرى بين إيران والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن وجود طرف مسلح داخل لبنان يرتبط بإيران ارتباطاً سياسياً وعسكرياً ومالياً، يجعل من المستحيل عزل الساحة اللبنانية عن تطورات الصراع الإقليمي، ما يعني أن لبنان سيبقى رهينة لهذه المعادلة إلى أن يتدخل المجتمع الدولي بصورة أكثر فاعلية.

ويكشف حمدان أنه حذّر منذ البداية من اعتماد ما يسميه “المسارات التجريبية”، وهي سياسة لكسب الوقت، تستفيد منها الولايات المتحدة وإسرائيل بانتظار حسم الملف الإيراني، فيما يغرق لبنان أكثر فأكثر في الإستنزاف الإقتصادي والأمني والسياسي، ما يستدعي اتخاذ قرار استراتيجي بفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.

أما المبادرة التي يطرحها حمدان، ويعتبرها المدخل الحقيقي للحل، فتقوم على أن يطلب لبنان رسمياً من المجتمع الدولي إرسال قوة متعددة الجنسيات تتولى تنفيذ الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ووضع حد للعمليات العسكرية المستمرة، لأن الوجود الإسرائيلي “سرطان” يجب استئصاله من الجسد اللبناني، لكن لبنان لا يملك القدرة الذاتية على تحقيق ذلك، والإستعانة بالمجتمع الدولي أصبحت ضرورة لا خياراً.

وفي الوقت الذي يقر فيه حمدان بأهمية الدور الأميركي، يرى أن الولايات المتحدة تبقى طرفاً في نظر قوى لبنانية وإقليمية، ولذلك يقترح إشراك دول تمتلك قنوات تواصل جيدة مع إيران وتحظى، في الوقت نفسه، بصدقية دولية، وفي مقدمها تركيا وباكستان، معتبراً أن انضمام هاتين الدولتين إلى أي قوة متعددة الجنسيات قد يشكل عامل توازن يساعد على استعادة الأمن والسيادة في جنوب لبنان، سيّما وأن رئيس الجمهورية زار تركيا أخيراً.

وفي الجانب القانوني، يدعو حمدان الدولة اللبنانية إلى التحرك سريعاً نحو مجلس الأمن الدولي للمطالبة بقرار يستند إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، معتبراً أن هذه الإتفاقية لا تزال قائمة وملزمة، وأن من واجب مجلس الأمن التدخل لإعادة تفعيلها إذا تعرضت للخرق. كما يطالب بأن يعلن لبنان رسمياً أمام الأمم المتحدة تمسكه بهذه الإتفاقية، مع طلب تحويل فريق المراقبة الدولي إلى قوة عسكرية قادرة على فرض الأمن على الحدود، بما يضمن حماية لبنان ويمنع استمرار الإعتداءات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد.

وانطلاقاً من خبرته الدبلوماسية والأكاديمية، وعمله السابق في الأمم المتحدة، يؤكد حمدان أن هذا الطرح يستند إلى قواعد قانونية واضحة، متسائلاً عن أسباب تردد الدولة في اعتماده، ولا سيما أن رئيس الحكومة يمتلك خبرة قانونية دولية تؤهله لإدراك أهمية هذا المسار.

ولا يخفي حمدان خشيته من أن أي تطور عسكري كبير على الجبهة الإيرانية سيقود حكماً إلى انفجار الساحة اللبنانية إذا بقيت الأمور على حالها.

أما في ملف الحدود، فيوجّه حمدان انتقاداً واضحاً للمصطلحات المتداولة، مؤكداً أن الحديث عن “ترسيم الحدود” يشكل خطأً سياسياً وقانونياً فادحاً، لأن الحدود بين لبنان وإسرائيل مرسّمة أصلاً ومعترف بها دولياً منذ عام 1923، وأُعيد تثبيتها في اتفاقية الهدنة عام 1949. ويشدد على أن المطلوب اليوم ليس إعادة ترسيم الحدود، بل “إظهار الحدود” ميدانياً، وإذا نشأت خلافات حول أي نقطة من النقاط ال13 المتنازع عليها، فإن الطريق الصحيح يمر عبر محكمة العدل الدولية، حيث يفصل خبراء دوليون محايدون في النزاع وفق القانون الدولي، بعيداً عن المساومات السياسية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version