كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon
لم تتأخر إسرائيل في ترجمة موقفها الضمني من المفاوضات الثلاثية المباشرة المنعقدة في العاصمة الإيطالية روما؛ فبدلاً من تقديم أي تنازل أو مكاسب للوفد اللبناني المفاوض، اخترقت الميدان الجنوبي بموجة قاسية من القصف الجوي والتفجيرات الأمنية. هذا السلوك الميداني يضع الجولة التفاوضية برمتها أمام اختبار وجودي، ويربط بشكل مباشر بين التصعيد في الجنوب ومفاوضات روما، حيث تحاول تل أبيب فرض شروطها بقوة التفوق الناري.
تفريغ “المنصوري” واستهداف انتشار الجيش: رسالة إسرائيلية بالنار
تؤكد معطيات ومصادر مطّلعة على حركة المفاوضات العسكرية أن القصف والتحركات الإسرائيلية الأخيرة لم تكن عشوائية، بل تعمدت إحراج المؤسسة العسكرية اللبنانية. فقد أجبر التصعيد المباشر وقذائف الفوسفور قوات الجيش اللبناني على إخلاء بعض نقاطها ومواقعها في منطقة “المنصوري” بالقطاع الغربي، في نموذج تحذيري يخشى الخبراء أن يتمدد سريعاً ليتكرر في محيط مرتفعات “علي الطاهر” الحساسة قبالة النبطية.
وتشير القراءة السياسية لهذه الخطوة إلى أن حكومة الاحتلال تسعى لإفراغ مفهوم “انتشار الجيش في جنوب الليطاني” من مضمونه الفعلي، واضعاف قدرته على الإمساك بالأرض، لتقول للراعي الأميركي والمجتمع الدولي إن الترتيبات الأمنية لا يمكن أن تنجح إلا تحت ضغط السيطرة النارية الإسرائيلية المباشرة.
رفض توسيع “المناطق التجريبية”: حسابات الانتخابات الإسرائيلية تُشعِل الجنوب
في أروقة روما، طالب الوفد اللبناني بتوسيع نطاق “المناطق التجريبية” لتشمل انسحابات إسرائيلية من نقاط حيوية كبنت جبيل والخيام، إلا أن تل أبيب واجهت هذه المطالب بالرفض القاطع. وتكشف المصادر السياسية أن هذا الإصرار الإسرائيلي وافتعال الأحداث الأمنية المتنقلة يخدمان بالدرجة الأولى أجندة رئيس الحكومة الإسرائيلي عشية الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
فالقيادة الإسرائيلية ترفض تقديم أي “هدية مجانية” أو إنجاز سياسي للحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام، وتفضل الهروب إلى الأمام عبر افتعال شرارات أمنية متقطعة تضمن من خلالها إبقاء الناخب الإسرائيلي تحت تأثير الخطر الخارجي، وتُبرر لها الإبقاء على مناطق نفوذ واستحكامات بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
تلة “علي الطاهر”.. انفجار الرماد تحت المنشأة الاستراتيجية
المحور الأكثر خطورة في الساعات القادمة يتركز عند مرتفعات “علي الطاهر” المشرفة على قضاء النبطية وإقليم التفاح. فهذه التلة الاستراتيجية لا تمثل مجرد موقع جغرافي مرتفع، بل تُعدّ الحصن الأكثر تعقيداً للبنية التحتية الدفاعية الخاصة بـ”حزب الله” جنوب الليطاني.
وتفيد المعلومات الخاصة لموقع “Jnews Lebanon” بأن التحضيرات لمواجهة ساخنة باتت قائمة على قدم وساق من الجانبين: إسرائيل تريد تجريف هذه المرتفعات واختراق المنشآت العسكرية والأنفاق المقامة تحتها، فيما وضع حزب الله قواته في حالة استعداد قصوى للتصدّي لأي محاولة تقدم أو هجوم مباشر يستهدف هذه المنشأة، اعتباراً منها خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه ضمن قواعد الردع.
ماذا ينتظر الجنوب في الأيام القادمة؟
بناءً على التقاطع الميداني والدبلوماسي، يرسم التحليل السياسي لـ Jnews Lebanon أربعة سيناريوهات متوقعة للتطورات القادمة:
- تعثّر جولات روما القادمة: إذا استمر الانغلاق الإسرائيلي ورفض الالتزام بوقف إطلاق النار، فإن المسار التفاوضي في روما يُهدد بالجمود أو التجميد المؤقت للضغط على واشنطن للقيام بدور أكثر حزماً تجاه تل أبيب.
- احتدام معركة “علي الطاهر”: تشير المعطيات إلى أن منطقة “علي الطاهر” ستكون مسرحاً لعمليات موضعية خاطفة أو ضربات دقيقة؛ حيث ستحاول إسرائيل تدمير المنشآت بالأسلحة الثقيلة والتفجير عن بُعد، بينما قد يلجأ حزب الله لردود وازنة إذا تقرّر اقتحام الموقع برياً.
- تراجع اضطراري لانتشار الجيش: يتوقع أن يواصل الجيش اللبناني التكيّف الميداني من خلال إعادة التمركز الحذر وتفادي القصف المباشر، لتجنّب الاصطدام بالنيران الإسرائيلية أو الانجرار لمواجهة جبهوية تُحبط دوره في خطة الانتشار.
- تصعيد مضبوط بسقف الانتخابات: من المرجح أن تحافظ إسرائيل على وتيرة “الضغط المنسق” بدون الانزلاق إلى حرب شاملة واسعة، مستغلة الهامش الزمني حتى الموعد الانتخابي الإسرائيلي لفرض واقع أمني جديد على الحدود.
“مصدر تحليلي لـ Jnews: إسرائيل تُفاوض تحت النار لتعديل اتفاق الإطار لصالحها، لكن تحويل تلة علي الطاهر إلى ساحة اشتباك كبرى قد يُعيد إشعال الجبهة برمتها ويُسقط سيناريو التهدئة المتدرجة.”

