دخل قانون العفو العام مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تحوّلت عبارة قانونية واحدة إلى لغم يهدد بنسف المشروع برمّته، وفتح أبواب السجون أمام أسماء لم تكن مشمولة أصلاً بالهدف الأساسي من القانون.

فبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، يتمسّك النواب السنة بصيغة تنص على الإفراج عن كل سجين أمضى 12 سنة سجنية من دون صدور حكم مبرم بحقه، وهي صيغة من شأنها، في حال إقرارها، أن تتيح لأحمد الأسير الاستفادة من القانون والخروج من السجن.

ولا تقف خطورة الصيغة عند حدود ملف الأسير، إذ إن عبارة “الحكم المبرم” توسّع دائرة المستفيدين إلى حد كبير. فوجود حكم ابتدائي أو حكم لا يزال قابلاً للطعن لن يمنع الإفراج، طالما أنه لم يكتسب الدرجة القطعية، ما يعني أن عدداً كبيراً من المحكومين والمتهمين في ملفات أمنية وجنائية قد يصبح مشمولاً بالمادة نفسها.

وبمعنى أوضح، فإن كل من يكون قد أمضى 12 سنة سجنية، أي ما يوازي عملياً نحو 8 سنوات فعلية، يمكنه الخروج من السجن ومتابعة محاكمته من الخارج إذا لم يكن قد صدر بحقه حكم مبرم.

وهنا تكمن العقدة التي قد تقلب القانون رأساً على عقب.

فالصيغة التي كانت مطروحة سابقاً كانت تنص على مرور 14 سنة سجنية من دون صدور أي حكم، من دون إدخال عبارة “الحكم المبرم”. أما خفض المدة إلى 12 سنة وإضافة هذا الشرط، فيحوّلان المادة من معالجة لحالات توقيف طويلة من دون محاكمة إلى بوابة واسعة قد تشمل محكومين في جرائم خطيرة.

وتؤكد المعلومات أن عبارة “الحكم المبرم” لم تكن مطروحة في اللقاءات السابقة، وأن الإصرار عليها اليوم يشكل مزايدة قد تؤدي، بدلاً من تمرير القانون، إلى إسقاطه بالكامل، بعدما بدأت كتل سياسية وأمنية وازنة تتعامل معها بوصفها خطاً أحمر.

وفي المقابل، حاول بعض النواب الإيحاء، بعد لقائهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، بأن ملف العفو حُسم وأن موافقته باتت مضمونة. إلا أن ما جرى في اللقاء كان مختلفاً، إذ لم يمنح بري موافقة مطلقة، بل ربط السير بالقانون صراحة بموافقة قيادة الجيش.

وبحسب المعلومات، أبلغ بري النواب أنه لا يمانع في تمرير الصيغة في حال موافقة الجيش، ما يعني أن موقفه كان مشروطاً، لا تبنياً للمادة ولا موافقة نهائية عليها.

وهذا الشرط ليس تفصيلاً، لأن موافقة المؤسسة العسكرية على مادة قد تؤدي إلى الإفراج عن أشخاص محكومين أو متهمين بالاعتداء على الجيش تبدو شديدة الصعوبة، خصوصاً في ظل اعتراض وزير الدفاع وتحفظات جهات عسكرية وسياسية واسعة.

كما أن الكتل النيابية الوازنة لن تكون مستعدة لتحمل مسؤولية التصويت على صيغة قد تؤدي إلى خروج أحمد الأسير وغيره من المحكومين بجرائم أمنية، تحت عنوان إنصاف موقوفين لم تصدر بحقهم أحكام.

وبذلك، يصبح القانون أمام مفترق واضح: إما العودة إلى صيغة محددة تعالج حالات التوقيف الطويل من دون محاكمة، وإما الإصرار على شرط “الحكم المبرم”، بما يوسّع العفو إلى درجة يستحيل معها تأمين موافقة الجيش أو الكتل النيابية الأساسية.

والمفارقة أن المزايدة تحت شعار توسيع العفو قد تنتهي بحرمان جميع المستفيدين منه، لأن رفع سقف المطالب إلى حد إدخال الأسير ومئات المحكومين في ملفات أخرى قد يدفع القوى المعترضة إلى إسقاط القانون بكل مواده وإعادته إلى الأدراج.

فالعبارة التي يُراد منها إخراج عدد أكبر من السجناء، قد تصبح هي نفسها العبارة التي تدفن قانون العفو نهائياً.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version