ليست الضربة السياسية الأقسى التي يتلقاها “حزب الله” اليوم في اختلاف خصومه معه، فهذا ليس جديداً، بل في أن يتوقف حلفاؤه عن انتظار موافقته قبل التحرك.

من عودة رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى فتح قنوات التواصل مع قصر بعبدا، مروراً بالتحول المتدرج في خطاب “التيار الوطني الحر”، وصولاً إلى انتقال ملف السلاح من طاولة التفاهمات مع الحزب إلى مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، تتكوّن ملامح مرحلة جديدة يتراجع فيها موقع “حزب الله” من شريك إلزامي في صناعة القرار إلى طرف تحاول الدولة إعادة تحديد دوره وحدود نفوذه.

فالمعادلة التي حكمت لبنان طويلاً بدأت تتبدل. والدولة لم تعد تنتظر موافقة الحزب كي تعلن أن السلاح وقرارَي الحرب والسلم يجب أن تكون جميعها في يد المؤسسات الشرعية.

لقد اتخذ مجلس الوزراء قراراً بحظر النشاطات الأمنية والعسكرية لـ”حزب الله”، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر نشاطه في المجال السياسي، كما كلّف الجيش وضع خطة لحصر السلاح. وبذلك، لم يعد النقاش الرسمي يدور حول مبدأ الحصرية، بل حول آلية تطبيقه وتوقيته وكلفته السياسية والأمنية.

كذلك، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون أن المقترحات اللبنانية للمرحلة المقبلة تقوم على بسط سلطة الدولة فوق كامل أراضيها، وسحب سلاح جميع القوى المسلحة، وفي مقدمها “حزب الله”، وتسليمه إلى الجيش.

والأهم أن عون أكد أن المسار التفاوضي أُعد بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ما يعني أن التحول الجاري ليس نتيجة قرار مفاجئ اتخذه رجل واحد، بل حصيلة مسار سياسي ومؤسساتي تراكمي بدأ يتقدم على الاعتراضات.

من هنا، يصبح ضرورياً التمييز بين موقع برّي وموقع “حزب الله”. فهما لا ينظران بالطريقة نفسها إلى إدارة المرحلة، حتى عندما يلتقيان على حماية الموقع السياسي للطائفة الشيعية ورفض فرض تسويات داخلية بالقوة.

يقرأ برّي المعادلة من موقعه رئيساً للسلطة التشريعية وشريكاً أساسياً في بنية النظام. وهو يدرك أن انتقاله إلى المقاطعة الكاملة لبعبدا سيضعه خارج المؤسسات، ويحمّله جزءاً من مسؤولية تعطيلها، ويتيح للقوى الأخرى رسم التسوية من دونه.

لذلك، لا يعني إبقاؤه قنوات التواصل مفتوحة أنه انتقل إلى مواجهة “حزب الله”، لكنه يعكس رفضه ربط مستقبل حركة “أمل” ورئاسة مجلس النواب بالكامل بخيارات الحزب الإقليمية والأمنية.

وقد أظهرت مواقف برّي، بعد خلافه مع بعبدا حول اتفاق الإطار، أنه عارض الاتفاق واعتبره مجحفاً، لكنه لم يغلق باب التسوية، بل أبدى استعداداً للبحث عن مخارج تمنع وصول لبنان إلى طريق مسدود.

هذا السلوك أقرب إلى توزيع الأدوار منه إلى إعلان الطلاق مع “حزب الله”.

فبرّي لا يتخلى عن الحزب، لكنه يؤمّن لنفسه وللطائفة الشيعية خط رجعة داخل الدولة. وهو يعرف أن خسارة العلاقة مع بعبدا والسراي وقيادة الجيش قد تضع البيئة الشيعية خارج أي ترتيب مقبل، فيما يمنحه استمرار التواصل القدرة على التفاوض بشأن الضمانات السياسية والاجتماعية وإعادة الإعمار ومصير السلاح.

وهنا تكمن دلالة الاختلاف: “حزب الله” يتعامل مع المقاطعة بوصفها أداة ضغط، فيما يتعامل برّي مع المؤسسة باعتبارها المظلة التي يمكن حماية المكتسبات من داخلها.

أما جبران باسيل، فإن تصوير موقفه كتحول مفاجئ أو انقلاب وُلد بين ليلة وضحاها لا يعكس المسار الكامل لـ”التيار الوطني الحر”.

فباسيل كان قد أعلن، في كانون الثاني 2026، التزام مبدأ وحدة الدولة والمؤسسات والسلاح، أي حصر السلاح بالجيوش الوطنية، لا بالفصائل والتنظيمات المسلحة. كما سبق للمجلس السياسي في “التيار” أن أكد أن المعادلة الأفضل للبنان تقوم على حصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي وضمان حماية الحدود.

لذلك، لا تبدو وثيقة “حماية لبنان”، التي أعلنها “التيار” هذا الأسبوع، انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما تمثل محطة متقدمة في إعادة تموضع باسيل بعد تراجع التحالف مع “حزب الله” وفقدانه جزءاً كبيراً من وظيفته السياسية والشعبية.

فالغطاء المسيحي الذي وفره “التيار” للحزب منذ تفاهم مار مخايل لم يعد يحقق لباسيل العائد السياسي نفسه. بل أصبح السلاح عبئاً انتخابياً على “التيار”، وعائقاً أمام استعادة علاقاته العربية والدولية، ومصدراً لاستنزافه داخل الشارع المسيحي.

لكن التحول الأخطر بالنسبة إلى “حزب الله” لا يكمن في موقف باسيل وحده، بل في بدء تشكل مساحة سياسية يلتقي فيها خصوم الحزب وبعض حلفائه السابقين حول عنوان واحد: لا دولة مستقرة في ظل وجود قرار أمني وعسكري مستقل عنها.

هذا لا يعني ولادة تحالف سياسي موحد ضد الحزب. فالخلافات لا تزال عميقة بين بعبدا وعين التينة والسراي و”التيار الوطني الحر” والقوى المعارضة. لكنه يعني أن هذه الأطراف، على اختلافها، لم تعد تقبل بمنح “حزب الله” حق الاعتراض المسبق على كل قرار يتصل بالسلاح أو التفاوض أو انتشار الجيش.

في السابق، كانت التسويات تبدأ بالسؤال: ماذا يريد “حزب الله”؟

أما اليوم، فيبدو أن السؤال يتحول تدريجياً إلى: كيف يمكن تنفيذ قرار الدولة، مع احتواء اعتراض الحزب ومنع انفجار الداخل؟

هنا تحديداً تكمن الخسارة السياسية الحقيقية.

فالحزب لم يفقد قاعدته الشعبية أو كتلته النيابية أو علاقته التاريخية بحركة “أمل”، ولا يزال يمتلك قدرة كبيرة على التأثير والتعطيل. لكن ما يتراجع هو قدرته على فرض نفسه مركزاً وحيداً تدور حوله كل التسويات.

حتى التقارير القريبة من أجواء الثنائي الشيعي تشير إلى أن المعركة لم تعد تقوم على إسقاط اتفاق الإطار، بعدما تبيّن أن موازين القوى لا تسمح بذلك، بل على إبطاء تنفيذه ورفع كلفته السياسية، في انتظار تحولات إقليمية قد تعيد تعديل المشهد.

وهذا، بحد ذاته، اعتراف ضمني بأن القدرة على إسقاط المسار من داخل المؤسسات باتت أضعف مما كانت عليه.

لا يواجه “حزب الله” حتى الآن انهياراً في تحالفاته، بل وضعاً أكثر دقة وخطورة: حلفاؤه لم يعودوا مستعدين لدفع ثمن تعطيل الدولة دفاعاً عن خياراته.

برّي يريد البقاء داخل المؤسسات، وباسيل يريد العودة إلى المزاج المسيحي والعربي، ورئاسة الجمهورية تريد تكريس الجيش مرجعية وحيدة، فيما يتحول اتفاق الإطار، رغم الاعتراضات عليه، إلى مظلة لإعادة توزيع القوة داخل النظام.

ليست هذه نهاية “حزب الله”، لكنها قد تكون بداية نهاية المرحلة التي كان قادراً فيها على تعطيل كل مسار لا يكون هو في مركزه.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version