تلقى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو ضربة قوية من داخل دائرته الضيقة، بعدما أعلن مستشاره البارز كارلوس كورديرو استقالته من منصبه بأثر فوري، احتجاجًا على خطة مثيرة للجدل تسمح بدخول مستثمرين من القطاع الخاص إلى الشركة التي ستدير كأس العالم وبقية بطولات “فيفا”.

ووصف كورديرو المشروع بأنه “صفقة سيئة لكرة القدم”، مؤكدًا أنه لا يستطيع البقاء في منصبه في وقت يدرس فيه الاتحاد الدولي بيع حصة دائمة في أحد أكثر أصوله قيمة.

وقال كورديرو في بيان استقالته: “لأكون واضحًا، لم أشارك في هذا الاقتراح، وأعارضه بشكل قاطع. إنها صفقة سيئة للاتحادات الأعضاء في فيفا، وصفقة سيئة لكرة القدم، وصفقة سيئة لمستقبل اللعبة على المدى الطويل”.

وتقضي الخطة بإنشاء شركة تابعة تحمل اسم “فيفا فوروورد إنتربرايز”، تُقدّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، وتتولى إدارة العمليات التجارية والفعاليات المرتبطة بكأس العالم وبطولات أخرى، على أن تُعرض حصة تصل إلى 20% منها على مستثمرين خارجيين.

ولا يعني المقترح بيع كأس العالم بحد ذاته، بل منح مستثمرين من القطاع الخاص حصة في الكيان التجاري الذي سيدير البطولة ويستثمر حقوقها وعائداتها، إلا أن معارضي الخطة يرون أن ذلك يمنح رأس المال الخاص نفوذًا دائمًا في أهم مسابقات كرة القدم العالمية.

وتساءل كورديرو عن الأسباب التي تدفع “فيفا” إلى جمع نحو 4.2 مليار دولار من خلال بيع جزء دائم من أصوله التجارية، في وقت يمتلك فيه الاتحاد احتياطيات مالية بمليارات الدولارات ولا تترتب عليه ديون.

وقال: “سلّط رئيس فيفا نفسه الضوء على إيرادات بقيمة 15 مليار دولار سيتم تحقيقها بين عامَي 2022 و2026″، معتبرًا أن الاتحاد الدولي يمتلك بالفعل القدرة المالية على زيادة الدعم المخصص لاتحاداته من موارده الحالية.

وأضاف: “في ظل هذه الخلفية، فإن بيع حصة دائمة في الأصل الأكثر قيمة في كرة القدم لجمع 4.2 مليار دولار أمر لا معنى له”، متهمًا قيادة الاتحاد الدولي عمليًا برهن مستقبل اللعبة من دون وجود مبرر مالي مقنع.

وتأتي الاستقالة في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى إنفانتينو، إذ طُلب من الاتحادات الوطنية الـ211 المنضوية تحت مظلة “فيفا” اتخاذ موقف من الاقتراح بحلول 19 أيلول.

وكان إنفانتينو قد أبلغ الاتحادات بأن كل اتحاد قد يحصل على تمويل يصل إلى 40 مليون دولار في حال الموافقة على المشروع، ضمن خطة يقول إنها ستوفر مستويات غير مسبوقة من تمويل تطوير كرة القدم حول العالم.

إلا أن كورديرو اعتبر أن الاتحادات تتعرض لضغوط لاتخاذ قرار سريع، وسط تحذيرات من أنها قد “تتخلف عن الركب” في حال رفضها المشروع، ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة عملية التشاور وحرية الاتحادات في دراسة التداعيات المالية والقانونية للخطة.

وفي المقابل، رفض “فيفا” اتهامه بالسعي إلى بيع اللعبة، مؤكدًا أنه لن يمضي في إنشاء الشركة الجديدة من دون الحصول على تأييد أغلبية الاتحادات الأعضاء.

وقال الاتحاد الدولي: “لا أحد يبيع كرة القدم، فهذا أمر لن يفكر فيه فيفا مطلقًا”، مشددًا على أن كل اتحاد وطني يجب أن يحصل على فرصة مراجعة المشروع والتصويت عليه في إطار ما وصفه بعملية ديمقراطية.

لكن المعارضة للمشروع لم تعد محصورة بأشخاص داخل الاتحاد، إذ قاد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم حملة واسعة ضد الخطة، متهمًا “فيفا” بوضع “روح كرة القدم” للبيع، فيما صوّتت اتحادات أوروبا الـ55 بالإجماع لمقاطعة بطولات الاتحاد الدولي في حال المضي بالمقترح.

كما رفض اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي المشروع، وانضم الاتحاد الآسيوي إلى الموقف المعارض، معربًا عن تضامنه مع الاتحادين الأوروبي والأميركي الشمالي، ومثيرًا تساؤلات بشأن جدوى الخطة وآليات اتخاذ القرار داخل “فيفا”.

وتضم الاتحادات القارية الثلاثة مجتمعة 143 اتحادًا وطنيًا من أصل 211، أي أكثر من نصف أعضاء الاتحاد الدولي، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع الاتحادات الوطنية ستلتزم بموقف اتحاداتها القارية عند التصويت.

وكان كورديرو قد عُيّن مستشارًا رفيعًا لـ”فيفا” في عام 2021، لتقديم المشورة بشأن الاستراتيجية العالمية والحوكمة والمبادرات الهادفة إلى تطوير كرة القدم على مختلف المستويات.

وقال إنفانتينو عند تعيينه إن كورديرو هو “الشخص المناسب” للمساعدة في تحديث الإطار التنظيمي للاتحاد وتنمية كرة القدم للرجال والنساء والشباب حول العالم.

وشغل كورديرو سابقًا رئاسة الاتحاد الأميركي لكرة القدم، وأدى دورًا رئيسيًا في الملف الناجح لاستضافة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك كأس العالم 2026، كما عمل لسنوات في قطاع الأعمال والخدمات المصرفية الاستثمارية، وتولى منصب نائب رئيس في مصرف “غولدمان ساكس”.

وتمنح خلفيته المالية استقالته وزنًا إضافيًا، إذ إن اعتراضه لا يستند فقط إلى موقف رياضي أو سياسي، بل إلى تقييم اقتصادي يعتبر أن التخلي عن حصة دائمة في العائدات المستقبلية لكأس العالم مقابل تمويل فوري لا يخدم مصالح الاتحادات على المدى الطويل.

وتفتح الاستقالة مواجهة داخلية غير مسبوقة أمام إنفانتينو، بعدما انتقلت الاعتراضات من الاتحادات القارية إلى أحد أبرز مستشاريه، فيما بات مستقبل الخطة مرتبطًا بقدرة رئيس “فيفا” على إقناع أغلبية الاتحادات الوطنية بأن مليارات الدولارات المعروضة عليها تستحق منح المستثمرين حصة دائمة في أكثر أصول كرة القدم قيمة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version