كشفت لقطات غير منشورة عن تنسيق سري بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام، بهدف ممارسة ضغوط سياسية على المحكمة الجنائية الدولية وتأخير إصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو على خلفية الحرب في قطاع غزة.
وتعود اللقطات إلى 29 تشرين الأول 2024، أي قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأميركية وقبل نحو 3 أسابيع من إصدار المحكمة مذكرتَي اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت. وصوّر المشاهد المخرج البريطاني أليكس هولدر، الذي رافق غراهام على مدى سنوات لإعداد فيلم وثائقي يحمل عنوان “لعبة ليندسي”.
وتُظهر التسجيلات غراهام وهو يؤدي دور الوسيط غير الرسمي بين نتنياهو وعدد من المشرعين الأميركيين، فيما اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي استغلال الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك الجنسي التي كانت تلاحق المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، لتشكيل ما وصفه بـ”غمامة” فوق عمله وتحقيقاته.
وبحسب مضمون المكالمات، رأى نتنياهو أن إثارة القضية في واشنطن قد تشكل أداة ضغط فعالة على المحكمة وقضاتها، وتدفعهم إلى التريث قبل إصدار مذكرة الاعتقال، أو على الأقل إلى التشكيك في صدقية التحقيق الذي كان يقوده خان بشأن الحرب في غزة.
وناقش نتنياهو وغراهام حشد مجموعة من المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين لإصدار موقف مشترك ضد تحرك المحكمة، فيما طرح غراهام اسم رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون بوصفه شخصية قادرة على دعم رسالة احتجاج واسعة، قبل أن يتعهد بمحاولة استقطاب أعضاء ديمقراطيين إلى التحرك.
وفي مكالمة ثانية جرت في وقت لاحق من اليوم نفسه، أبلغ غراهام نتنياهو بأنه تمكّن من ضم السيناتورين الديمقراطيين ريتشارد بلومنتال وبن كاردين إلى المبادرة، قائلًا له: “لقد حصلنا عليهما”.
وطلب غراهام من نتنياهو التواصل شخصيًا مع السيناتورين وشكرهما على موقفهما، واقترح عليه إثارة ملف تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل خلال الحديث معهما، باعتباره قضية قد تشجعهما على مواصلة دعم إسرائيل داخل الكونغرس.
وتكشف اللقطات أيضًا أن غراهام مازح نتنياهو بشأن الجهود التي يبذلها لمصلحة إسرائيل، قائلًا إنه يستحق “أطنانًا من الشواكل”، وإن ما يقوم به يتطلب أكثر من مجرد دعوة إلى العشاء.
وبعد 3 أيام من المكالمات، وتحديدًا في 1 تشرين الثاني 2024، صدرت بالفعل رسالة مشتركة إلى الهيئة المشرفة على المحكمة الجنائية الدولية، دعت إلى التحقيق في الاتهامات الموجهة إلى كريم خان، وربطت بينها وبين قراره طلب إصدار مذكرتَي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت.
إلا أن الرسالة النهائية لم تحمل تواقيع غراهام وبلومنتال وكاردين فقط، بل وقّعها 6 أعضاء في مجلس الشيوخ هم بن كاردين، وليندسي غراهام، وجون ثون، وريتشارد بلومنتال، وجوني إرنست، وجون فيترمان، ما منح التحرك غطاءً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وادعت الرسالة أن مكتب المدعي العام لم يمتثل بصورة كافية لمبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما، بعدما ألغى زيارة كانت مقررة إلى إسرائيل للقاء ممثلين قانونيين إسرائيليين، قبل أن يعلن في اليوم نفسه طلب مذكرات الاعتقال.
كما شددت على أن الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك ألقت بظلالها على تحقيقات خان، داعية إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف، وإلى النظر في عزله في حال ثبوت الاتهامات بحقه.
وعلى الرغم من حملة الضغط، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية، في 21 تشرين الثاني 2024، مذكرتَي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، بعد رفض اعتراضات إسرائيل على اختصاص المحكمة.
وقالت المحكمة إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو يتحمل مسؤولية جنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُزعم ارتكابها في قطاع غزة، فيما بقيت مذكرة الاعتقال نافذة رغم المحاولات الإسرائيلية والأميركية لإلغائها أو تجميدها.
وتكتسب اللقطات أهمية إضافية بعد التطورات التي شهدتها المحكمة في تموز 2026، إذ صوّتت الدول الأعضاء على عزل كريم خان من منصبه، على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي مع موظفة كانت تعمل في مكتبه.
وصوّتت 82 دولة من أصل 125 لمصلحة عزله، فيما نفى خان الاتهامات وأعلن عزمه الطعن في قانونية القرار وعدالة الإجراءات التي قادت إليه. وأكدت المحكمة أن إقالة المدعي العام لا تؤثر تلقائيًا في مذكرات الاعتقال القائمة، لأن سحبها أو إلغاءها يبقى من صلاحية القضاة وحدهم.
وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط أميركية متصاعدة على المحكمة، بعدما فرضت واشنطن عقوبات على عدد من قضاتها ومسؤوليها بسبب تحقيقاتها المتعلقة بإسرائيل والعمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان، بالتوازي مع حملة سياسية أميركية معلنة تستهدف تقليص نفوذها وعزلها دوليًا.
ويواصل نتنياهو السفر إلى دول لا تلتزم بتنفيذ مذكرة المحكمة، كما أعلن عزمه التوجه إلى نيويورك لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم موقف عمدة المدينة زهران ممداني المؤيد لاعتقاله.
وكان ممداني قد أوضح أن سلطات مدينة نيويورك لا تمتلك وحدها الصلاحية القانونية لتنفيذ مذكرة المحكمة، لكنه أكد أن نتنياهو يجب أن يواجه الاعتقال في حال دخوله الولايات المتحدة، في وقت لا تُعد واشنطن عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية.
ولا تثبت التسجيلات وجود تدخل مباشر في قرارات قضاة المحكمة، لكنها تكشف حجم التحرك السياسي الذي جرى خلف الكواليس لتقويض صدقية المدعي العام، وتشكيل تحالف أميركي من الحزبين للضغط على المحكمة قبل إصدار مذكرة الاعتقال.
كما تظهر أن الاتهامات التي كانت تطارد كريم خان لم تُستخدم فقط ضمن مسار المساءلة الداخلية في المحكمة، بل تحولت منذ مراحلها الأولى إلى ورقة سياسية ناقش نتنياهو وغراهام كيفية توظيفها لحماية القيادة الإسرائيلية من الملاحقة الدولية.
