بدت لقاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقل دفئًا مما حاولت الرواية الرسمية الإسرائيلية إظهاره، إذ كشف السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن مايك هرتسوغ عن تراجع مستوى العلاقة الشخصية بين الرجلين، مؤكدًا أن ترامب لم ينقلب على إسرائيل، لكنه بات حريصًا على إبقاء نتنياهو على مسافة واضحة عنه.
وفي مقابلة مع إيلي أوحانا وباراك سيري عبر إذاعة “103 إف إم”، تناول هرتسوغ إعلان نتنياهو أن اجتماعه مع ترامب كان واحدًا من “أفضل اللقاءات على الإطلاق”، إلى جانب موقع إسرائيل داخل الولايات المتحدة، والتوتر مع إيران، واحتمال تجدد الحرب بصورة أكثر حدة.
وقال هرتسوغ في مستهل حديثه: “أعتقد أن شيئًا ما أصاب حميمية العلاقة. كان الاجتماع غير طويل، وفي حضور عدد كبير من الأشخاص داخل الغرفة. ومن واقع خبرتي، عندما يكون الاجتماع بهذا الحجم، لا تُتخذ فيه القرارات المهمة والحقيقية”.
وأضاف أن أهمية اللقاء تكمن في انعقاده بحد ذاته، موضحًا: “الأهم هو حصول الاجتماع، بمعنى أن ترامب لم يهاجم نتنياهو، وكانت المحادثة هادئة”.
واعتبر أن الإنجاز تمثل في أن ترامب لم يأتِ إلى الاجتماع حاملًا انتقادات أو مطالب محددة، قائلًا: “لم يقل لنا: اخرجوا من لبنان أو سوريا. ناقشوا، على ما يبدو، الخيارات المتعلقة بما يمكن فعله في مواجهة إيران، لكن هذا لم يكن المكان الذي اتُّخذت فيه القرارات المهمة”.
وشدد هرتسوغ على أن التواصل المباشر بين القادة يحمل دائمًا قيمة سياسية، ولا سيما حين يكون ترامب أمام مفترق طرق يتعلق بإيران، وعليه أن يقرر ما إذا كان سيتجه إلى التصعيد أم لا.
وتابع: “هناك قيمة لمحادثة تبحث هذه الخيارات، لكن الأمر ليس كما حاولوا تصويره لنا، وكأن اختراقًا تحقق أو حدث شيء مذهل. من الواضح أن لنتنياهو مصلحة في تقديم الاجتماع على أنه جيد، وتصحيح الانطباع بأن خللًا أصاب العلاقات، لكن يجب وضعه في الإطار الصحيح”.
وجاء الاجتماع بعد تصريحات قاسية وغير مسبوقة وجّهها ترامب إلى نتنياهو، فيما رأى هرتسوغ أن رحلة رئيس الوزراء الإسرائيلي حملت أيضًا أهدافًا داخلية عشية الانتخابات.
وقال: “من الواضح أن لرئيس الحكومة، بوصفه رجلًا سياسيًا قبل الانتخابات، هدفًا سياسيًا من رحلة كهذه، وهذا يكاد يكون بديهيًا. لكن عند انعقاد الاجتماع، تُناقش قضايا سياسية، وترامب موجود في توقيت يحتاج فيه إلى اتخاذ قرار مهم فعلًا بشأن إيران، لذلك هناك قيمة للحوار وجهًا لوجه”.
واستدرك: “لكن هذا ليس المكان الذي تُتخذ فيه القرارات الحقيقية، في ظل وجود مجموعة كبيرة داخل الغرفة. الأمور لا تسير بهذه الطريقة”.
وتوقف هرتسوغ عند الإشارات البروتوكولية التي رافقت اللقاء، موضحًا أن دخول نتنياهو عبر بوابة جانبية، وغياب وسائل الإعلام، وعدم عقد لقاء ثنائي بين الرجلين، تحمل دلالات واضحة في الأعراف الدبلوماسية.
وقال: “هذا يعني أن ترامب أراد إبقاءه غير قريب أكثر مما ينبغي. أتذكر اجتماعات انتظره فيها عند الباب وعانقه، لكن ذلك لم يحدث هذه المرة. كان هناك توجه للحفاظ على مستوى منخفض، وعقد الاجتماع من دون إظهار قدر كبير من التقارب”.
وأشار إلى أن الحرب مع إيران لا تحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة، فيما تُصوَّر إسرائيل على أنها الطرف الذي دفع ترامب نحوها، وهو انطباع لا يفضله الرئيس الأميركي.
وأضاف: “هذه واحدة من الأسباب التي جعلته حريصًا على إبقاء نتنياهو على مسافة، وعدم تقريبه أكثر من اللازم. أشعر وأسمع أن مستوى الحميمية في العلاقة تضرر. لاحظوا أنهما لا يتحدثان بالوتيرة نفسها التي كانا يتواصلان بها سابقًا، كما تراجع تأثير إسرائيل في عملية صنع القرار داخل الولايات المتحدة بصورة كبيرة”.
وعن اعتبار البعض أن الفتور ناتج من تمسك نتنياهو بالمصلحة الإسرائيلية، قال هرتسوغ إن ترامب رأى إسرائيل شريكة في الحرب مع إيران، لكنه لم يرها شريكة في الخروج منها.
وأوضح: “في ذهنه، وهذا ما يقوله له مستشاروه باستمرار، فإن الحرب من وجهة نظر إسرائيل لا تنتهي. وهذا أمر لا ينسجم معه، كما أنه يضر به سياسيًا داخل الولايات المتحدة، ولذلك نشهد هذا الابتعاد. لكنه لا ينقلب علينا”.
وأضاف أن ترامب يكره أن يتعرض للسخرية أو الإهانة، وأن الإيرانيين يثيرون غضبه بالتأكيد، مشددًا على عدم وجود خلاف جوهري بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن طبيعة النظام الإيراني.
وقال: “ترامب يفهم جيدًا من هم الإيرانيون، لكنه يريد اتخاذ قراراته من دون أن يظهر وكأن نتنياهو جرّه إلى الحرب”.
وأشار هرتسوغ إلى أن تصريحات ترامب الأخيرة بشأن نتنياهو حملت رسالة استقلال واضحة، مضيفًا أنه تحدث كما لو كان يقول: “لن يخبرني أحد ماذا أفعل بشأن جبل الشيخ، أو ما إذا كنت سأبيع طائرات إف-35 أم لا، وكأنه يقول: أنا لا أحتاج إليه”.
وأكد هرتسوغ أنه لا يتحدث عن أزمة قائمة حاليًا بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، لكنه شدد على وجود ابتعاد معين وتضرر في مستوى العلاقة الشخصية.
وقال: “هذا ليس جيدًا بالنسبة إلينا في وقت يُفترض فيه اتخاذ قرارات دراماتيكية. ويجب النظر إلى الأمر أيضًا في إطار أوسع، يتعلق بالتآكل الخطير جدًا في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة”.
وأضاف: “هناك تآكل شديد، وهو ليس مسألة عابرة، بل أمر عميق يحتاج إلى استثمار حقيقي لمعالجته”.
وأوضح أن هذا التراجع يرتبط أيضًا بتحولات داخلية أميركية ديموغرافية وسياسية واقتصادية لا تتعلق بإسرائيل بصورة مباشرة، إلى جانب حملة طويلة الأمد لنزع الشرعية عنها، قال إنها ممولة من قطر وإيران وجهات أخرى.
وأضاف أن أخطاء ارتكبتها إسرائيل على مدى السنوات ألحقت ضررًا كبيرًا بصورتها.
وفي معرض تعداده أسباب تراجع العلاقة ومكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، أشار هرتسوغ إلى الطريقة التي اختار بها نتنياهو مواجهة الاتفاق النووي الإيراني، واصفًا إياها بأنها كانت سيئة، ولا سيما بعد توجهه إلى الكونغرس من خلف ظهر الرئيس الأميركي.
وقال: “في كل أسبوع كنت فيه داخل الولايات المتحدة، كنت أسمع مشرعين ديمقراطيين يقولون إن ذلك وضعهم أمام خيار مستحيل بين رئيسهم ورئيس دولة أخرى يحبونها”.
وختم هرتسوغ بالإشارة إلى أن الصورة التي عكستها الحكومة الإسرائيلية الحالية أضرّت كثيرًا بمكانة إسرائيل، إلى جانب كل ما حدث خلال الحرب.
وقال: “هناك مفارقة، فقد تعرضنا لهجوم من منظمة مسلحة قاتلة، لكن استمرار الحرب خلق صورة توحي بأن إسرائيل لا تريد سوى حروب لا تنتهي”.
وأضاف أن الأمر امتد إلى الملف الإيراني، إذ باتت إسرائيل تظهر، حتى داخل اليمين الأميركي، وكأنها الطرف الذي جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب.
وبين تأكيد هرتسوغ أن ترامب لم ينقلب على إسرائيل، وتحذيره من تراجع مستوى الحميمية والنفوذ السياسي، تكشف قراءة السفير السابق أن اللقاء لم يكن اختراقًا بقدر ما كان محاولة لمنع الفتور من التحول إلى أزمة معلنة.
