احتاج القضاء اللبناني نحو تسع سنوات ليعيد رسم تفاصيل واحدة من أبشع الجرائم العائلية التي شهدها لبنان، جريمة انتهت بصدور حكم بالإعدام بحق شاب قتل عمته داخل منزلها في دوحة عرمون، بعدما خطط مع شريكه لسرقتها، قبل أن تتحول السرقة إلى جريمة قتل اتسمت، بحسب المحكمة، بالوحشية وسبق الإصرار.

وفي حكمها الصادر بتاريخ 23 تموز 2026، برئاسة القاضية زلفا الحسن وعضوية المستشارتين وفاء تيماني ونادين أبو علوان، خلصت محكمة الجنايات في جبل لبنان إلى أن الاعترافات والأدلة العلمية ووقائع مسرح الجريمة شكّلت منظومة متكاملة تثبت أن حيدر حسن عقيل وشريكه علي محمد حمية أعدّا خطة محكمة لقتل المغدورة نمرة عقيل وسرقتها، ونفذاها بدم بارد.

وتبيّن للمحكمة أن حيدر عقيل كان يرزح تحت ديون قاربت 10 آلاف دولار، ما دفعه إلى الاتفاق مع علي حمية على قتل عمته بعدما علم، بحكم صلة القرابة، بأنها تحتفظ بمبالغ مالية ومجوهرات داخل منزلها.

وقبل ساعات من الجريمة، اشترى حيدر من أحد متاجر الخردوات شريطاً لاصقاً ورباطات بلاستيكية، ثم التقى شريكه وانتقلا معاً إلى دوحة عرمون، حيث أوقفا السيارة على بعد نحو 200 متر من المبنى، في خطوة اعتبرتها المحكمة دليلاً إضافياً على التخطيط المسبق ومحاولة تفادي إثارة الشبهات.

واستغل حيدر علاقته العائلية بالمغدورة، فدخل منزلها بصورة طبيعية، فيما بقي علي حمية على درج المبنى بانتظار الإشارة. وبعد دقائق، ادّعى أن سيارته تعطلت وغادر الشقة تاركاً الباب مفتوحاً، ليتمكن شريكه من الدخول من دون لفت انتباه الضحية.

وبحسب الوقائع التي ثبتت للمحكمة، كانت نمرة عقيل تتجه من المطبخ إلى غرفة الجلوس وهي تحمل صينية عليها ركوة القهوة وفنجانان، عندما باغتها علي حمية وضربها على رأسها بواسطة قبضة حديدية، فيما انقضّ حيدر عليها وخنقها، ثم قيّد يديها بالرباطات البلاستيكية ووضع شريطاً لاصقاً على فمها لمنعها من الاستغاثة.

بعد ذلك، دخل المتهمان إلى غرفة النوم، وخلعا درفة الخزانة واستوليا على كمية من المجوهرات ومبلغ مالي كان داخل حقيبة المغدورة، قبل أن يعودا إلى غرفة الجلوس ليجداها لا تزال على قيد الحياة.

وهنا، بلغت الجريمة ذروة وحشيتها. فقد طلب حيدر من شريكه إنهاء حياتها، فأخذ علي حمية قطعة زجاج مكسورة من أحد فناجين القهوة، وذبحها من رقبتها حتى فارقت الحياة، فيما وقف ابن شقيقها يراقب المشهد، بحسب ما أثبته الحكم.

ولم يكتف المتهمان بذلك، بل غسلا أيديهما داخل المنزل، فيما بدّل علي حمية سرواله الملطخ بالدماء بآخر أخذه من غرفة ابن المغدورة، قبل أن يغادرا المكان ويتصرفا بالمسروقات، إذ باع حيدر جزءاً من المجوهرات وسدّد قسماً من ديونه، بينما تقاسم المتهمان الأموال الناتجة عن السرقة.

ولعبت الأدلة العلمية الدور الحاسم في كشف الجريمة، بعدما عُثر على البصمة الوراثية العائدة لحيدر عقيل تحت أظافر المغدورة، وعلى الرباط البلاستيكي الذي قُيدت به، إضافة إلى آثار له على مقبض الباب. كما وثّقت كاميرات المراقبة السيارة المستخدمة في الجريمة وهي تدخل الطريق المؤدي إلى منزل الضحية عند الساعة 4:48 بعد الظهر، وتغادر عند الساعة 5:33.

واستندت المحكمة أيضاً إلى مكالمة هاتفية مسجلة بين حيدر ووالده عقب الجريمة، طلب فيها الأخير منه حذف المكالمات الموجودة على هاتفه، إلا أنها أخذت بإفادة المتهم الذي أكد أن والده لم يكن على علم بالجريمة، وأن طلب حذف الهاتف كان مرتبطاً بصور سلاح مخزنة عليه.

ورغم محاولة المتهمين أمام المحكمة التراجع عن جزء من اعترافاتهما، والقول إنهما خططا للسرقة فقط، اعتبرت المحكمة أن أقوالهما الأولى جاءت مفصلة ومتطابقة مع الأدلة العلمية، وتقرير الطبيب الشرعي، ووقائع مسرح الجريمة، وتسجيلات كاميرات المراقبة، ما منحها قوة ثبوتية كاملة.

ورأت المحكمة أن شراء أدوات التقييد قبل التنفيذ، واستغلال صلة القرابة، وإبقاء باب المنزل مفتوحاً لإدخال الشريك، ثم الاعتداء على الضحية وخنقها وتقييدها، وقتلها بعد إتمام السرقة، كلها عناصر تثبت توافر سبق الإصرار والترصد والقصد الجرمي.

وأكدت المحكمة أن الجريمة اقترنت بثلاثة ظروف مشددة: القتل العمد مع سبق الإصرار، والقتل بقصد تسهيل جناية السرقة، وممارسة الشراسة والوحشية بحق الضحية، ما يحقق كامل عناصر المادة 549 بفقراتها الأولى والثانية والرابعة من قانون العقوبات.

وبناءً على ذلك، قضت بتجريم حيدر حسن عقيل وعلي محمد حمية بجناية القتل العمد المشدد، وإنزال عقوبة الإعدام بحقهما، وتجريمهما أيضاً بجناية السرقة الموصوفة وبجنحة حيازة قبضة حديدية ممنوعة، مع إدغام العقوبات وتطبيق العقوبة الأشد.

كما ألزمت المحكمة المتهمين، بالتكافل والتضامن، بدفع مبلغ 100 ألف دولار أميركي لورثة المغدورة نمرة عقيل تعويضاً عن الأضرار التي لحقت بهم، بعدما كانت الجهة المدعية قد طالبت بتعويض قدره مليون دولار.

وخلصت المحكمة إلى أن ما جرى لم يكن سرقة انتهت بجريمة قتل، بل جريمة قتل خُطط لها منذ البداية لتسهيل السرقة وضمان الإفلات منها، وهو ما استوجب إنزال أقصى العقوبات المنصوص عليها في القانون بحق المتهمين.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version