قدّمت عضو مجلس إدارة تلفزيون لبنان جنان ملاط استقالتها من منصبها، لكن كتاب الاستقالة لم يمرّ كإجراء إداري عادي. فالمضمون الذي وجّهته إلى وزير الإعلام وإدارة التلفزيون حمل انتقادات قاسية طالت الواقع المالي والتقني، ووصلت إلى الموظفين أنفسهم بطريقة أثارت استياءً داخل المؤسسة.
ملاط تحدثت عن غياب الأموال، ونقص المعدات، واستحالة تنفيذ مشاريع تتناسب مع طموحاتها. وهي وقائع لا يختلف عليها اثنان. فتلفزيون لبنان يعمل منذ سنوات بقدرات محدودة، وموازنات شبه معدومة، وتجهيزات لم تعد قادرة على مواكبة الحد الأدنى من التطور المطلوب.
لكن المشكلة لم تكن في تشخيص الأزمة، بل في الجهة التي بدا أن الكتاب يحمّلها ثمنها.
فحين يُقال إن الموظفين لا يواكبون الطموحات، يصبح العاملون الذين أبقوا الشاشة مستمرة في أصعب الظروف كأنهم جزء من المشكلة. وهنا تحديداً وقع الخطأ.
هؤلاء الموظفون يعملون في مؤسسة تعاني نقصاً في كل شيء تقريباً، من الرواتب إلى المعدات والتغطية الاجتماعية. ومع ذلك، لم تتوقف الشاشة، ولم تُطفأ الاستديوهات، ولم يختفِ التلفزيون الرسمي، رغم أن كثيراً من المؤسسات كانت لتنهار في ظروف أقل قسوة.
وزاد الاعتراض على كتاب ملاط بسبب موقفها من تأمين التغطية التأمينية للموظفين. ففي مؤسسة تعاني كما يعاني تلفزيون لبنان، لا يمكن التعامل مع حقوق العاملين الصحية والاجتماعية كعبء إضافي أو بند قابل للشطب. حماية الموظف ليست ترفاً، بل شرط أساسي لاستمرار المؤسسة.
في المقابل، يبذل وزير الإعلام بول مرقص ووزارة الإعلام، إلى جانب رئيسة مجلس إدارة تلفزيون لبنان أليسار نداف، كل ما يمكن ضمن هامش مالي ضيق جداً. فلا موازنات تسمح بورشة تحديث واسعة، ولا قدرات مادية قادرة على نقل التلفزيون دفعة واحدة إلى مستوى مختلف، لكن الجهد قائم للحفاظ على الاستمرارية، وتأمين الممكن من حاجات العمل، وتفادي سقوط المؤسسة.
وتعمل نداف، بالتنسيق مع الوزير والوزارة، على إبقاء التلفزيون قائماً وتطويره بما تسمح به الإمكانات المتاحة، في وقت تُدار فيه المؤسسة تحت ضغط مالي وتقني كبير، ويُطلب منها الاستمرار رغم غياب أبسط المقومات التي تحتاج إليها أي شاشة رسمية.
وهنا تكمن المفارقة.
الوزير والوزارة ورئيسة مجلس الإدارة والموظفون يخوضون معركة للحفاظ على تلفزيون لبنان، فيما جاء كتاب الاستقالة ليضع المؤسسة والعاملين فيها في قفص الاتهام، بدل أن يضيء على حجم ما ينجزونه رغم العجز.
كان يمكن لملاط أن تقول إن المال غير موجود، وإن المعدات غير كافية، وإن التطوير يحتاج إلى قرار دولة. وكان يمكن لكتابها أن يتحول إلى وثيقة ضغط لإنقاذ التلفزيون.
لكن حين تُختزل الأزمة بقدرات الموظفين، يتحول النقد من دفاع عن المؤسسة إلى إساءة لمن أبقوها حيّة.
الاستقالة حق، والاعتراض حق، لكن تحميل العاملين مسؤولية ما عجزت الدولة عن تأمينه ليس إصلاحاً.
تلفزيون لبنان لا يحتاج إلى من يعلن عجزه أمام أزمته، بل إلى من يعمل ضمن الممكن، ويحمي الموظفين، ويتمسك بالمؤسسة، ويمنع ضعف الإمكانات من أن يتحول إلى سبب لهدم ما تبقى منها.
