لا شك أن مجرد انعقاد اللقاء بين الرئيسين دونالد ترامب وجوزف عون في البيت الأبيض يعكس تحولاً دراماتيكياً في المقاربة الأميركية للملف اللبناني بكل تفاصيله، كما يعكس العناية التي يوليها الرئيس ترامب للبنان، لإنهاء حقبة من “سوء المعاملة”. ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً حول خارطة الطريق أو الأجندة الأميركية لمعالجة الأزمة اللبنانية الممتدة منذ عقود، ولا سيما أن رهانات كثيرة لا تزال معلقة على موقف أميركي واضح يعيد تثبيت الإلتزام برعاية اتفاق “الإطار” ويدفع نحو استكمال مسار التهدئة.
ويقرأ الكاتب السياسي جورج شاهين، بين سطور مواقف الرئيس الأميركي من لبنان، والتي تداخلت فيها الملفات الأمنية والسياسية مع الاستحقاقات الاقتصادية، مؤشرات إلى إمكانية تحقيق اختراق، وإن كان مرتبطاً بالدرجة الأولى بحجم الضغط الأميركي على مختلف الأطراف.
وعلى الضفة اللبنانية، يؤكد شاهين لـ”ليبانون ديبايت” أن رئيس الجمهورية دخل إلى البيت الأبيض بجهوزية كاملة، وطرح الملفات بصراحة ووضوح، مشيراً إلى أن هذه القمة تكتسب أهمية استثنائية باعتبارها الأولى بين الرجلين، بعدما سبقتها ثلاثة اتصالات هاتفية أظهر خلالها ترامب اهتماماً غير مسبوق بلبنان، في سابقة لرئيس أميركي يعبر بهذه الصراحة عن متابعته للملف اللبناني.
ومن المعلوم أن هذا الإهتمام تُرجم عملياً في مسار واشنطن، ولا سيما من خلال رعاية الولايات المتحدة للمفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي ساهمت، بحسب شاهين، في تجنيب لبنان جولة جديدة من الحروب، كما رفعت مستوى الإنخراط الأميركي في معالجة الأزمة اللبنانية. ويشير إلى أن الرئيس ترامب ترأس شخصياً الإجتماع الثاني في واشنطن المخصص للملف اللبناني، بعد الإجتماع الأول الذي رعاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بما يعكس انتقال الملف إلى مستوى أعلى من الاهتمام داخل الإدارة الأميركية.
وفي المقابل، يبقى ما ينتظره اللبنانيون من الرئيس ترامب موقفاً واضحاً يؤكد استمرار واشنطن في رعاية اتفاق “الإطار”، باعتباره الأساس لأي تقدم سياسي أو أمني خلال المرحلة المقبلة.
وعن فرص تحقيق اختراق في مرحلة تنفيذ “الإطار”، يكشف شاهين أن الرئيس عون يواجه خصماً داخلياً يتمثل في “حزب الله”، الذي لم تسمح له إيران حتى الآن بتقديم التنازلات المطلوبة، رغم إجماع المبادرات الدولية والعربية والأممية على أن بداية الحل تكمن في التخلي عن السلاح الإيراني في لبنان، باعتباره المدخل لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل.
ويحرص شاهين على التذكير بأن لبنان، ومنذ عام 1948، لم يعلن الحرب رسمياً على إسرائيل، لكنه دفع أثمان الحروب العربية – الإسرائيلية والفلسطينية – الإسرائيلية، وتحمل تداعياتها على مدى عقود.
وبعد انطلاق المرحلة الأولى من المناطق “الإختبارية” خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، يشير شاهين إلى أنه، وبمعزل عن الإعلان الأميركي عن بدء تنفيذ المرحلة التجريبية، فإن الجيش اللبناني سبق المواعيد المقررة، فانتشر في القرى الأربع المشمولة بالمرحلة الأولى، ونفذ دوريات ميدانية فيها قبل استكمال التحضيرات الإسرائيلية، في خطوة تعكس جهوزية المؤسسة العسكرية لتولي مسؤولياتها.
ويكشف شاهين أن رئيس الجمهورية يواجه في الوقت نفسه “حزب الله”، الذي يرفض تسليم سلاحه، وإسرائيل التي تعتمد سياسة المماطلة في تنفيذ الإنسحاب. لكنه يشدد على أن مختلف القوى اللبنانية تدرك أن إسرائيل تتجنب المواجهة مع الجيش اللبناني، فيما تركز عملياتها على التنظيمات المصنفة إرهابية على المستوى الدولي.
وبينما تشكل المرحلة الحالية اختباراً لكل من إسرائيل و”حزب الله”، يوضح شاهين أن الحزب قد يقبل بتسليم السلاح فقط في المناطق التي اضطر إلى الإنسحاب منها وإخلائها، لكنه ليس مستعداً لاتخاذ خطوات مماثلة شمال نهر الليطاني، ولا سيما في المنطقة الممتدة بين الليطاني والأولي، حيث لا تزال مراكزه العسكرية الأساسية قائمة فوق الأرض وتحتها وفي التلال المحيطة. وبالتالي، فإن الرهان الأساسي يبقى على ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على إسرائيل لاستكمال انسحابها، في ظل غياب أي مؤشرات إلى دور إيراني مساعد في إنجاح التسوية، إذ لا تزال طهران تستخدم حلفاءها في المنطقة، وفي مقدمهم الحزب، كورقة تفاوض أساسية.
أما على الصعيد المالي والإقتصادي، فيؤكد شاهين أن الدعم الأميركي لن يقتصر على الجوانب الأمنية والسياسية، بل سيرتبط أيضاً بإطلاق مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة، باعتبارها شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة الدولية وفتح الباب أمام المساعدات والإستثمارات.
