أنفقت إسرائيل مئات ملايين الشواكل على حملات رقمية ومؤثرين وشركات علاقات عامة في الولايات المتحدة وأوروبا، في محاولة لتحسين صورتها والتأثير في الرأي العام، إلا أن النتائج جاءت معاكسة، مع تراجع التأييد لها، وتصاعد الانتقادات داخل إدارة دونالد ترامب، واتهام نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس جهات إسرائيلية بمحاولة عرقلة سياسة واشنطن تجاه إيران.

وبحسب تقرير للصحافي إيتمار آيخنر، في صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية، كشف تحقيق نشرته مجلة “تايم” الأميركية هذا الأسبوع أن إسرائيل دفعت نحو 1.5 مليون دولار شهريًا لبراد بارسكيل، الذي أدار حملة دونالد ترامب الرقمية عام 2016، ضمن مساعٍ للتأثير في الرأي العام الأميركي، ولا سيما الشباب المحافظين ومؤيدي حركة “ماغا”.

ووفق التحقيق، شملت الحملة تشغيل مؤثرين، وإنتاج كميات ضخمة من المحتوى، فضلًا عن محاولات للتأثير في الطريقة التي تعرض بها أنظمة الذكاء الاصطناعي المعلومات المتعلقة بإسرائيل.

لكن بدلًا من تعزيز مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، جاءت النتائج معاكسة، إذ تصاعدت الشكوك داخل إدارة ترامب في أن جزءًا من هذه الأنشطة كان يهدف إلى التأثير في النقاش المتعلق بسياسة الرئيس تجاه إيران.

ونقل التقرير عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله: «دفعنا الكثير من المال، لكن الوضع لم يفعل سوى أن ازداد سوءًا».

وتفاقمت العاصفة بعد أن تطرق نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى تحقيق «تايم» خلال مقابلة مع بودكاست جو روغان، متهمًا جهات في إسرائيل بإدارة «حملة تأثير ممولة بمبالغ ضخمة»، قال إنها هدفت إلى تخريب جهود الإدارة الأميركية للتوصل إلى تفاهمات مع إيران وإطالة أمد المواجهة.

وهاجم فانس بشدة الجهات المشاركة في هذه الأنشطة، مؤكدًا أنه عندما اكتشف أن مؤثرين يتلقون أموالًا من جهات مرتبطة بإسرائيل يعملون ضد السياسة التي يدفع باتجاهها، كان رده: «فليذهبوا إلى الجحيم».

ورأى التقرير أن اتهام نائب رئيس أميركي يشغل منصبه علنًا جهات إسرائيلية بمحاولة التأثير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة يُعد حدثًا استثنائيًا وخطيرًا، ويكشف عمق الأزمة التي نشأت حول أنشطة التأثير الإسرائيلية.

إلا أن قضية بارسكيل لا تمثل سوى رأس جبل الجليد، إذ يقف خلف الحملة التي كُشف عنها جهاز أوسع للدعاية والتأثير، حصل خلال العام ونصف العام الماضيين على موازنات ضخمة وغير مسبوقة.

ومع تولي وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر منصبه، خُصص نحو 545 مليون شيكل لمنظومة الدعاية الدولية الإسرائيلية، في محاولة لمعالجة الأزمة الحادة التي أصابت صورة إسرائيل عقب الحرب.

وخلال عامي 2026 و2027، نجح ساعر في تأمين ملياري شيكل إضافيين، وهو مبلغ غير مسبوق في تاريخ الدعاية الإسرائيلية.

لكن مسؤولين كبارًا في وزارة الخارجية الإسرائيلية قالوا إن جزءًا كبيرًا من الأموال لم يُحوّل عبر الآليات المهنية داخل الوزارة، وإن المسؤولية الأساسية عن إدارة الموازنات نُقلت إلى المدير العام للوزارة عيدن برطال، وإلى عيران شيوفيتس، وهو مستشار خارجي استعان به الوزير.

وبحسب هؤلاء المسؤولين، عمل برطال وشيوفيتس في مناسبات عدة من دون تنسيق كافٍ مع المستوى المهني، ومن دون مشاركة كاملة لإدارة الدبلوماسية العامة، وأحيانًا من دون علم السفارات الإسرائيلية نفسها.

في المقابل، قالت وزارة الخارجية إن خطة العمل وموازنة الدعاية لعام 2026 جرى تنسيقهما مع جميع الجهات المهنية في الوزارة.

غير أن دبلوماسيين إسرائيليين أكدوا أن بعض السفراء اكتشفوا بعد وقوع الأمر وجود حملات وأنشطة تأثير نُفذت في الدول التي يعملون فيها، وذلك فقط بعدما تواصل معهم مسؤولون محليون وسألوهم عن طبيعة هذه الأنشطة.

وسُجلت حالات عقدت فيها شركات علاقات عامة استأجرتها إسرائيل إحاطات مع صحافيين ورؤساء تحرير وصناع قرار، من دون إبلاغ البعثة الإسرائيلية في الدولة المعنية، ومن دون حضور السفير الإسرائيلي.

واستحوذت 3 قنوات رئيسية على معظم الموازنة، هي الحملات الرقمية، والوفود، والتعاقد مع شركات علاقات عامة في الخارج.

وفي ملف الوفود، قال مسؤولون في وزارة الخارجية إن النتائج كانت متواضعة في أفضل الحالات، وبائسة في أسوأها، إذ جرى استقدام مئات الضيوف إلى إسرائيل، لكن بعضهم كان يتمتع أصلًا بنفوذ جماهيري محدود، أو يتبنى مواقف مؤيدة لإسرائيل بصورة واضحة قبل الزيارة.

ووصف أحد المسؤولين النتيجة بالقول: «لقد أقنعوا المقتنعين أصلًا».

في المقابل، قال مسؤولون آخرون إن المؤثرين لم يكونوا متحمسين لزيارة إسرائيل خلال هذه الفترة، ما جعل العثور على مرشحين مناسبين أمرًا صعبًا.

أما في مجال الحملات الرقمية، فكانت الانتقادات أكثر حدة، إذ قال موظفون في وزارة الخارجية إن المهنيين الذين كان يُفترض أن يتولوا المسؤولية عن هذا المجال جرى استبعادهم فعليًا من العملية.

وأُديرت الحملات بصورة مباشرة مع مكتب الإعلانات الحكومي وشركات خارجية، من دون شفافية داخلية كافية، ومن دون رقابة مهنية مشددة.

وتمثلت القناة الثالثة في التعاقد مع شركات علاقات عامة ومستشاري تأثير داخل الدول المستهدفة، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

وبحسب جهات مطلعة على الملف، جرى في هذا الإطار تجنيد مؤثرين، وإدارة حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتنفيذ أنشطة هدفت إلى تشكيل الخطاب العام في الدول المستهدفة.

وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية: «الدبلوماسية والدعاية مهنتان. يجب معرفة النظام السياسي والإعلامي والثقافي في كل دولة بعمق. لا يمكن الافتراض أن مَن يعرف كيف يدير حملة تجارية أو سياسية داخل إسرائيل سيفهم الحساسيات الموجودة في واشنطن أو برلين أو روما».

ورغم مئات ملايين الشواكل التي ضُخت في حملات الدعاية والتأثير، يصعب، وفق التقرير، تحديد إنجازات فعلية، في وقت يواصل فيه الرأي العام الأميركي التحرك في الاتجاه المعاكس لمصلحة إسرائيل.

وأظهر استطلاع حديث أجرته «أسوشيتد برس – نورك» صورة مثيرة للقلق بالنسبة إلى إسرائيل، إذ يرى نحو ثلث الأميركيين أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، فيما يتبنى نحو نصف الديمقراطيين هذا الموقف.

وفي أوساط الرأي العام الأميركي عمومًا، يتراجع التأييد لإسرائيل بصورة متواصلة، ولا سيما بين الشباب.

وأظهر الاستطلاع أن 58% من الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا مفرطًا لإسرائيل، مقارنة بـ45% فقط في مطلع عام 2024.

وفي الوقت نفسه، يرى 62% من الديمقراطيين أن الولايات المتحدة لا تقدم دعمًا كافيًا للفلسطينيين، فيما يظهر ابتعاد جزئي أيضًا لدى الجمهوريين الشباب عن المواقف التقليدية المؤيدة لإسرائيل.

أما المعطى الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى إسرائيل، فهو تسجيل تراجع حتى داخل أوساط اليهود الأميركيين.

وأجاب نحو 30% من اليهود الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع بأنهم يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، فيما تتبنى الغالبية الساحقة منهم موقفًا سلبيًا من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

وبمعنى آخر، أُنفقت مئات ملايين الشواكل على عمليات التأثير والحملات والمؤثرين وشركات العلاقات العامة، لكن مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة لم تتحسن، بل واصلت التدهور وفق معظم المؤشرات.

وأثار كشف «تايم» والهجوم العلني الذي شنه فانس سؤالًا أوسع، يتمثل في ما إذا كانت إسرائيل أنفقت مبالغ ضخمة على مسعى لم يفشل فحسب، بل أضر أيضًا بعلاقاتها مع الجهات السياسية التي حاولت التقرب منها.

ويرى منتقدو السياسة الحالية أن القضية لم تعد تتعلق فقط بهدر المال العام، بل تمثل تحذيرًا من نهج يفترض إمكان تجاوز الدبلوماسية التقليدية، وتهميش المستوى المهني، واستبدال العمل السياسي الممتد على سنوات بحملات تأثير رقمية مكلفة.

وقال مسؤول سابق رفيع في منظومة الدعاية الإسرائيلية: «الأكثر عبثية واضطرابًا هو أن أحدًا هنا يعتقد أن حملة تأثير قصيرة، تستمر بضعة أسابيع أو أشهر، يمكن أن تغيّر الرأي العام بصورة جوهرية، وأن تبقى سرية من دون أن تُكشف».

وأضاف: «هذه حماقة كاملة ومضرّة للغاية، وانظروا إلى تصريحات فانس. إنها فضيحة رهيبة بحجم قضية بولارد. كشف نشاط تخريبي إسرائيلي ضد الإدارة يفتح الباب أمام جميع نظريات المؤامرة. ومَن في هذه الإدارة، أو الإدارة المقبلة، أو التي تليها، سيثق أصلًا بالحكومة الإسرائيلية، حتى لو تغيّر رئيس الحكومة؟».

وردت وزارة الخارجية الإسرائيلية بالقول إن «الادعاءات الواردة في التقرير لا أساس لها على الإطلاق، وتكشف انعدامًا كاملًا لفهم طريقة عمل وزارة الخارجية، ولا سيما منذ إنشاء منظومة الدبلوماسية العامة في نهاية عام 2025».

وأضافت: «خلافًا تمامًا لما ورد، وضعت رئيسة المنظومة خطة العمل وموازنة الدعاية لعام 2026، ونسقتهما مع الجهات المهنية المعنية في الوزارة، ووافق عليهما المدير العام وفق الأصول».

وتابعت الوزارة: «دولة إسرائيل لا تنفذ عمليات تأثير داخل الولايات المتحدة. وكل من يتعامل فعلًا مع هذا الملف يعلم أن وزارة الخارجية تحرص بدقة شديدة على تنفيذ أحكام القانون الأميركي، الذي يفرض التسجيل والشفافية الكاملة بشأن أي نشاط تنفذه جهة حكومية».

وأكدت أن «الأمر ينطبق أيضًا على التعاقدات مع الجهة المذكورة في استفساركم»، مضيفة: «نشدد بصورة لا تحتمل التأويل على أن هذا النشاط لا يتناول السياسة الخارجية الأميركية أو الشؤون الداخلية للولايات المتحدة، وأن هدفه الوحيد هو تعزيز التحالف الاستراتيجي والعلاقات بين الدولتين، ومواجهة موجة الكراهية ضد اليهود وإسرائيل».

وختمت وزارة الخارجية بالقول إن «جهود الدعاية والدبلوماسية العامة التي تقودها الوزارة هي التي أتاحت لإسرائيل هامش التحرك الدولي المطلوب للدفاع عن الدولة طوال فترة الحرب بصورة غير مسبوقة، وإن تركيز الجهود أدى إلى تحقيق إنجازات استراتيجية مهمة لدى الفئات المستهدفة».

لكن بين نفي الخارجية الإسرائيلية واتهامات فانس ونتائج استطلاعات الرأي، تبقى المفارقة واضحة: كلما ارتفعت موازنات التأثير، ازدادت الشكوك وتراجعت صورة إسرائيل لدى الجمهور الذي أنفقت الأموال من أجل استمالته.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version