خلقت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان منذ العام 2019 بيئة خصبة لشبكات التجنيد الإسرائيلية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستغلة حاجة الشباب إلى فرص عمل، بتقديم عروض مغرية لهم بأوجه مختلفة، ليتبين لاحقًا أنهم وقعوا فريسة هذه الشبكات، وما نتج من ذلك من توقيفات ومحاكمات واتهامات لهم بالعمالة.
وتُدرك المحكمة العسكرية طبيعة هذه الإشكالية، بعد تزاحم الملفات أمامها بين متهمين بالتواصل ومحاولة التواصل مع الموساد الإسرائيلي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبين متهمين بالتعامل، وصلت علاقتهم بالموساد إلى حد إعطاء إحداثيات مهمة وحساسة ساعدت العدوان الإسرائيلي، منذ العام 2024، على إنجاح عمليات اغتيال طالت قادة ومسؤولين في حزب الله. وهذه العلاقة باتت موثقة قضائيًا وأمنيًا، وتُرجمت بأحكام وصلت إلى السجن 15 عامًا.
وشهدت المحكمة العسكرية، في اليومين الماضيين، خمس «حالات» مشابهة لأشخاص وقعوا ضحية «أبو يعقوب» و«جون» و«دايفيد»، الذين يخفون هوياتهم الحقيقية عندما كانوا يتلقون رسائل من أشخاص يسعون إلى البحث عن عمل عبر «فايسبوك»، محاولين في البداية «جس نبض» هؤلاء، قبل أن يعرضوا عليهم مبالغ مالية مقابل تزويدهم بمعلومات.
وكانت ميسا، وكل من بول وجورج وبسام وأحمد، من بين هؤلاء الأشخاص الذين حاول الموساد تجنيدهم، من خلال عرض عمل من شركة أو جمعية وهمية عبر «فايسبوك»، وتحويل مبالغ مالية على شكل «مساعدة»، ثم الطلب منهم لاحقًا معلومات عن أشخاص أو أماكن.
ولم يتجاوب 4 من الموقوفين مع محدّثيهم، فيما استمر أحمد في التواصل معهم بطلب من أحد مسؤولي حزب الله، إذ أفاد، أثناء استجوابه أمام المحكمة، بأنه كان في العام 2012 من عداد «قسم التعبئة» في حزب الله، وتم تجميد عضويته بسبب «سلوكيات غير لائقة»، كاحتسائه الكحول ووجود صديقة له. فبدأ أحمد البحث عن عمل عبر «فايسبوك»، ليتلقى عرضًا من «شركة عسكرية» في أربيل، من شخص يدعى «دايفيد».
ويتابع أحمد أن علاقته بدايفيد تطورت، و«أصبح يعرف عني كل شيء»، وأنه ذكر أمامه أن «هجومًا سيحصل على الجرود عام 2013»، وأن هذا الهجوم حصل بالفعل، فأهداه زجاجتي كحول أثناء لقائهما الأول في تركيا. وحينها بدأت الشكوك تساور أحمد، وخشي التواصل معه مجددًا، ليبلغ قريبًا له في حزب الله بالأمر، فطلب منه متابعة التواصل مع دايفيد لمعرفة غايته.
وسافر أحمد إلى تركيا للقاء دايفيد، الذي أعطاه مبلغ 9 آلاف يورو، وسلّمه أجهزة قام أحمد بتصويرها وإرسال الصور إلى قريبه في حزب الله، الذي حقق معه بعد عودته من تركيا وأخضعه لآلة كشف الكذب. وكان آخر لقاء بين أحمد ودايفيد في تركيا في شهر آب من العام 2015، وانقطع الاتصال بينهما منذ ذلك التاريخ.
وأوضح أحمد أنه سافر في العام 2023 إلى بلجيكا لمتابعة تحصيله العلمي، وكان يتردد كل عام إلى لبنان، إلى أن أُوقف أثناء عودته خلال العام الجاري، مؤكدًا أن دايفيد لم يذكر أمامه أنه من الموساد الإسرائيلي، إنما ساورته الشكوك تجاه الأخير. وقال، ردًا على سؤال، إن أمن الحزب اتصل به بعد يومين من عودته من تركيا، وحقق معه في مركز بئر العبد.
في المحصلة، أعلنت المحكمة، برئاسة العميد وسيم فياض، في الأحكام التي أصدرتها، براءة كل من ميسا وبول وجورج وبسام، وأسقطت الدعوى العامة عن أحمد لمرور الزمن العشري.
