بعد أشهر على كشف “ليبانون ديبايت” خفايا القضية التي بدأت كحادثة انتحار وانتهت بجريمة قتل داخل العائلة، حسم القضاء مسار الملف وأصدر قراره الظني، مثبتاً أن جان لم يُنهِ حياته بيده، بل قضى برصاصة أطلقها شقيقه، بعدما أحضرت والدتهما السلاح وسلّمته إليه.
فقد أصدر قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان، الرئيس رمزي فرحات، بتاريخ 13 تموز 2026، قراراً ظنياً بحق شقيق المغدور، شربل، ووالدته ليلى، انتهى فيه إلى الظن بالأول بجناية القتل قصداً، وبالثانية بجناية التدخل في القتل، في القضية التي نجحت مفرزة تحرّي جونية القضائية في فك خيوطها بعد أشهر من تسجيلها على أنها انتحار.
وتعود فصول القضية إلى 10 شباط 2026، عندما أُصيب جان بطلق ناري داخل منزل العائلة في بلدة الصفرا الكسروانية. ونقلته والدته وأفراد من أسرته إلى المستشفى، قبل أن يفارق الحياة في 15 شباط متأثراً بإصابته.
ومنذ اللحظات الأولى، تقدّمت العائلة أمام مخفر يحشوش برواية مفادها أن جان أطلق النار على نفسه، لتُسجّل الحادثة على أنها محاولة انتحار انتهت بالوفاة، وكاد الملف يُقفل نهائياً على هذا الأساس.
لكن الشكوك التي أحاطت بالرواية لم تتبدّد، ولا سيما في ظل الخلافات العائلية القائمة بين المغدور ووالدته وأشقائه، والتناقضات التي ظهرت في الإفادات المتعلقة بكيفية وقوع الحادثة ومصدر السلاح وموقع الموجودين داخل المنزل لحظة إطلاق النار.
وكان نجل المغدور، البالغ من العمر نحو 20 عاماً، قد رفض التسليم برواية الانتحار، وكلّف المحامي علي الطفيلي متابعة الملف لكشف حقيقة ما جرى لوالده. وبناءً على المعطيات التي قُدّمت إلى القضاء، أُحيلت القضية من مخفر يحشوش إلى مفرزة تحرّي جونية القضائية، التي باشرت تحريات وتحقيقات موسعة قلبت مسار الملف بالكامل.
وأظهرت التحقيقات أن جان لم يطلق النار على نفسه، بل أُصيب خلال إشكال عائلي وقع داخل المنزل. وبحسب ما خلص إليه القرار الظني، تطور الخلاف إلى مواجهة حادة، فتوجهت الوالدة ليلى إلى داخل المنزل وأحضرت بندقية صيد، قبل أن تسلّمها إلى ابنها شربل، الذي أطلق النار على شقيقه وأصابه في بطنه.
وحاول المدعى عليهما، خلال التحقيقات، وضع ما حصل في إطار الدفاع عن النفس، بالقول إن جان كان في حالة غضب وهياج، وإنه شكّل خطراً عليهما وعلى الموجودين في المنزل. إلا أن هذه الرواية لم تقنع قاضي التحقيق، ولم تكن كافية، وفق القرار، لنفي المسؤولية الجزائية عنهما.
واستند القاضي فرحات إلى التناقضات التي شابت إفادات المدعى عليهما، ولا سيما لجهة كيفية إحضار البندقية، والجهة التي كانت تحملها، وموقع كل شخص عند إطلاق النار، إضافة إلى الأدلة الطبية والفنية ومسار المقذوف الناري.
وخلص القرار إلى أن هذه المعطيات لا تنسجم مع فرضية الانتحار، ولا مع القول إن الرصاصة انطلقت عرضاً خلال التدافع، معتبراً أن إطلاق النار كان فعلاً متعمداً أدى إلى وفاة جان.
كما اعتبر أن دور الوالدة لم يقتصر على وجودها في مكان الحادثة، بل تمثل، وفق التحقيقات، في إحضار بندقية الصيد وتسليمها إلى ابنها قبل إطلاق النار، ما شكّل تدخلاً مباشراً في الجريمة.
وبناءً عليه، ظن القاضي رمزي فرحات بشربل بجناية القتل قصداً، سنداً إلى المادة 547 من قانون العقوبات، إضافة إلى جنحة حيازة بندقية صيد غير مرخصة.
كما ظن بوالدته ليلى بجناية التدخل في القتل، سنداً إلى المادة 547 معطوفة على المادة 219 من قانون العقوبات، وقرر إصدار مذكرتي إلقاء قبض بحقهما وإحالة الملف إلى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، تمهيداً لإحالتهما أمام محكمة الجنايات المختصة.
وبذلك، يكون القرار الظني قد ثبّت قضائياً ما توصلت إليه تحقيقات مفرزة تحرّي جونية، وأسقط نهائياً الرواية التي قُدّمت في بداية الملف عن انتحار جان.
ولا يشكّل القرار الظني حكماً نهائياً بالإدانة، إذ تبقى الكلمة الفصل لمحكمة الجنايات بعد استجواب المدعى عليهما ومناقشة الأدلة، لكنه يؤكد توافر معطيات كافية لإحالتهما إلى المحاكمة بجرمي القتل والتدخل فيه.
هكذا، انتقلت القضية من وفاة كادت تُدفن في الأدراج على أنها انتحار، إلى ملف قتل عائلي أمام محكمة الجنايات، بعدما تمسّك نجل الضحية بالحقيقة، وفكّت تحرّيات جونية خيوط الجريمة، وجاء القرار الظني ليضع الرواية القضائية الكاملة أمام الرأي العام.
