قبل الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، بدت سوريا وكأنها تقترب من مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح السياسي والاقتصادي، لكن سلسلة من التحديات الأمنية والاقتصادية لا تزال تلقي بظلالها على مسار التعافي، وفق ما خلص إليه تقرير نشرته مجلة “إيكونوميست”.

وأشار التقرير إلى أن ماكرون، الذي أصبح في السادس من تموز أبرز زعيم غربي يزور دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد، اصطحب معه وفداً من كبار المسؤولين التنفيذيين الفرنسيين، في خطوة عكست اهتماماً أوروبياً متزايداً بفرص الاستثمار في سوريا.

ورأى التقرير أن الرئيس السوري أحمد الشرع كان المستفيد الأكبر من هذه الزيارة في إطار سعيه المستمر للحصول على اعتراف دولي وجذب الاستثمارات الأجنبية، وأضاف: “إلا أن التفجيرين اللذين هزا وسط دمشق في اليوم التالي للزيارة، بحسب المجلة، شكلا رسالة معاكسة، وأظهرا أن البلاد لا تزال بعيدة عن الاستقرار الكامل، وأن التعافي من آثار الحرب لا يزال محدوداً”.

ولفت التقرير إلى أن مشاهد الدمار لا تزال تهيمن على مناطق واسعة، مُستشهداً بضاحية جوبر شمال شرقي دمشق، حيث تنتشر المباني المدمرة والمنهوبة، فيما تغيب خدمات الاتصالات وتكاد تنعدم مؤشرات إعادة الإعمار، رغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السابق.

وأوضح أن المؤتمرات الاستثمارية والاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة السورية مع شركات محلية وأجنبية لم تنعكس حتى الآن على الواقع الميداني، إذ تتزايد شكاوى رجال الأعمال من استمرار البيروقراطية والأنظمة القديمة التي وصفوها بأنها صُممت لتغذية الفساد، فضلاً عن الرشاوى والخلافات السياسية والوعود غير المنفذة التي أضعفت ثقة المستثمرين.

وذكر التقرير أن سوريا تواجه واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في العالم، إذ تحتاج إلى إعادة بناء المنازل والطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، بعدما دُمّر نحو ثلث أصولها المادية. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري في عام 2024.

وفي الجانب المالي، أكد التقرير أن الأزمة المصرفية لا تزال تشكل عقبة رئيسية أمام التعافي، إذ تحد القيود المفروضة على السحب النقدي من إيداع الأموال في المصارف، بينما تعجز البنوك عن منح القروض نتيجة نقص السيولة، بالتزامن مع استمرار تراجع قيمة الليرة السورية أمام الدولار.

ورأى التقرير أن أبرز ما حققه الشرع حتى الآن يتمثل في نجاحه الدبلوماسي، إذ يركز على استقطاب الاستثمارات بدلاً من الاعتماد على المساعدات الدولية، معلناً أن إعادة إعمار سوريا يجب أن تقوم على الاستثمار لا على المنح.
ad

وأشار إلى أن هذا التوجه استفاد من تحسن العلاقات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي خفف العقوبات الأميركية على سوريا، إضافة إلى تزايد اهتمام دول الخليج بالبلاد باعتبارها مركزاً إستراتيجياً، ولا سيما بعد تراجع حركة التجارة عبر مضيق هرمز.

وأوضح التقرير أن المستثمرين الخليجيين باتوا يتوافدون إلى دمشق بشكل متزايد، فيما كثفت شركات الطيران الخليجية رحلاتها إلى العاصمة السورية.

وبيّن أن قطر كانت من أوائل الدول التي بدأت الاستثمار فعلياً، إذ شرعت شركة “يو سي سي” للإنشاءات في تنفيذ مشاريع تشمل إعادة تطوير أحد المطارات، واستثمارات بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة، إلى جانب الاستحواذ على بنك سوري، وتمويل مشروع إسكان واسع النطاق خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أنَّ الإمارات بدورها تجاوزت تحفظاتها السابقة، إذ أعلن رئيس شركة “إعمار” محمد العبار دراسة مشاريع بقيمة تصل إلى 18 مليار دولار، بالتزامن مع زيارات متكررة لوفود إماراتية لبحث مشاريع النقل والتجارة وإنشاء ممرات لوجستية.

وأضاف التقرير أن السعودية تعهدت باستثمارات تتجاوز خمسة مليارات دولار، فيما تعمل شركة الاتصالات السعودية على تنفيذ شبكة ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر، وإنشاء مراكز بيانات ومحطات كابلات بحرية باستثمارات تبلغ 800 مليون دولار. كذلك، منحت دمشق شركة “زين” الكويتية ترخيصاً بقيمة 750 مليون دولار لإطلاق شبكة الجيل الخامس (5G).

ولفت التقرير إلى أن رجال أعمال سوريين عادوا أيضاً للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، من بينهم المستثمر الكندي السوري هادي علاء الدين الذي يعمل على إنشاء أول مركز بيانات في البلاد، ورجل الأعمال سامر شمسي باشا الذي يسعى لتحويل مطار عسكري مهجور في حمص إلى مطار مدني يضم مدرسة للطيران.

وأشار إلى أن شركات أميركية بدأت العودة تدريجياً إلى السوق السورية، إذ أعلنت شركتا “فيزا” و”ماستركارد” استئناف نشاطهما، فيما تدرس شركات نفط أميركية الاستثمار عبر شراكات إقليمية، بالتوازي مع مساعٍ يقودها بنك “جيه بي مورغان تشيس” لتأمين قرض بقيمة سبعة مليارات دولار لتمويل مشاريع تنفذها شركة “يو سي سي”.

ورغم هذا الزخم الاستثماري، أكد التقرير أن بيئة الأعمال لا تزال تواجه تحديات كبيرة، إذ إن جزءاً من العقوبات الأميركية لا يزال قائماً عملياً، ما يحد من دخول الشركات الغربية الكبرى إلى السوق السورية، كما أن المستثمرين يبدون حيرة إزاء التوجه الاقتصادي للحكومة، في ظل تضارب التصريحات الرسمية بين الدعوة إلى اقتصاد سوق حر والحديث عن اقتصاد “حر ومخطط” في الوقت نفسه.

وختمت “إيكونوميست” بالإشارة إلى أن كثيراً من السوريين يرون أن تركيز الرئيس أحمد الشرع على العلاقات الخارجية وجذب المستثمرين جاء على حساب ملفات داخلية ملحة، أبرزها ملاحقة المسؤولين السابقين المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال عهد الأسد، فضلاً عن استمرار الفقر المدقع الذي يطال نحو ربع السكان.

واعتبرت المجلة أن النجاح الحقيقي للرئيس السوري لن يقاس بعدد المؤتمرات الاستثمارية أو الزيارات الدولية، بل بقدرته على إعادة إعمار المناطق المدمرة، وفي مقدمتها جوبر، وتحسين حياة السوريين على أرض الواقع

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version