كتبت الين بركات في موقع JNews Lebanon
لم يعد كافياً في لبنان أن ينتظر المواطن “جدول أسعار المحروقات” مرتين في الأسبوع كأنه قدر محتوم أو أمر واقع لا مفر منه. المشكلة الحقيقية اليوم لم تعد تقتصر على مجرد ارتفاع أو انخفاض سعر الصفيحة، بل في عمق “آلية التسعير” نفسها؛ تلك الآلية التي تبدو أقرب إلى صندوق أسود لا يكشف للرأي العام كيف يتكون السعر النهائي الذي يدفعه اللبناني من جيبه المنهك.
اقرأ أيضاً خاص- الذهب لا يشيخ.. درس الـ 100 ألف دولار لإنقاذ ما تبقى من ودائع اللبنانيين!
المعادلة باتت مكشوفة ومجحفة: عندما ترتفع أسعار النفط عالمياً، يدفع المواطن الثمن فوراً في المحطات برفع فوري للأسعار، وعندما تنخفض الأسعار العالمية، تضيع تلك التراجعات فجأة بين دهاليز “متوسطات غير واضحة”، وهوامش شركات غير مفصلة، وسوق محكوم بمنافسة شديدة المحدودية. ومن حق الناس، بل من واجبها، أن تسأل اليوم عبر JNews Lebanon: على أي أساس يدفعون؟ ولمن يدفعون؟ ومن يراقب خلف الستار؟
لغة الأرقام الصادمة: 421 ألف ليرة زيادة في 4 أشهر!
لغة الأرقام لا تكذب ولا تجامل؛ فقبل الصدمة المرتبطة بالتطورات الأمنية والعسكرية الأخيرة، وتحديداً في 24 شباط 2026، كان سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان مستقراً عند 1,799,000 ل.ل.. ولكن بحلول 3 تموز 2026، قفز السعر بشكل جنوني ليصل إلى 2,220,000 ل.ل..
هذه الحسبة البسيطة تكشف عن زيادة مخيفة بلغت 421,000ل.ل. للصفيحة الواحدة في غضون أربعة أشهر فقط، أي بنسبة ارتفاع ناهزت 23.4%. وعملياً، هذا يعني أن المواطن اللبناني بات يدفع اليوم 21,050 ل.ل. إضافية على كل ليتر بنزين واحد يضعه في خزان سيارته، وهي كلفة تتدحرج ككرة الثلج لتضرب فوراً قطاعات النقل، التوزيع، المولدات، السلع الغذائية، وتجهز على ما تبقى من قدرة شرائية للأسر والمؤسسات الصغيرة.
اللعب بالمتوسطات المتحركة وغياب التدقيق المستقل
تقنياً، يعرف خبراء الاقتصاد أن سعر البنزين لا يرتبط بسعر النفط الخام برنت وحده، بل يتكون من كتل وعناصر متعددة تشمل: السعر المرجعي للاستيراد (Platts)، كلفة الشحن والتأمين، الرسوم والضرائب للدولة، كلفة التوزيع الداخلي، جعالة المحطة، وهوامش أرباح الشركات المستوردة.
اقرأ أيضاً خاص- “مسودة بعبدا السريّة”.. 4 ملفات “خارج النقاش” يحملها الوفد اللبناني إلى واشنطن!
وهنا تكمن العقدة التي يضع JNews Lebanon الإصبع عليها: إذا كان السعر المرجعي يحتسب على أساس “متوسط متحرك” (Moving Average)، سواء لفترة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أو أي فترة أخرى تعتمدها الوزارة، فلماذا تظل هذه الفترة سرية وغير معلنة بوضوح؟ فاختيار فترة الاحتساب ليس تفصيلاً تقنياً بسيطاً، بل هو المحرك الأساسي للسعر النهائي؛ فعند الارتفاع العالمي ينعكس السعر سريعاً، أما عند الانخفاض، فيبقى المستهلك اللبناني ضحية للدفع على أساس متوسط أعلى من السعر الفعلي الحالي للسوق العالمي.
كارتيل المنافسة المحدودة: الغموض يحمي الأرباح
الأخطر من غياب الأرقام التفصيلية، هو تركز سوق المحروقات في لبنان بيد عدد محدود جداً من الجهات والشركات. وفي سوق يعاني من “محدودية المنافسة”، يتحول غياب الشفافية تلقائياً إلى بوابة خلفية لحماية هوامش أرباح الكارتيلات، والتسعير المتوازي، والتحكم التام بالسوق. في هذه الحالة، لا يدفع المواطن ثمن البنزين الفعلي فقط، بل يدفع أيضاً ضريبة الغموض، وضريبة غياب الحوكمة، وكلفة ضعف الرقابة الرسمية.
إن الشفافية في تسعير لقمة عيش اللبنانيين ومحرك تنقلاتهم لم تعد ترفاً إدارياً أو تنظيراً اقتصادياً، بل هي خط الدفاع الأول والأخير لحماية جيب المواطن، وضمانة لعدالة السوق، وشرط أساسي لأي محاسبة اقتصادية حقيقية. بناءً عليه، يرفع موقع JNews Lebanon الصوت مطالباً بـ 5 خطوات إصلاحية فورية لا تحتمل التأجيل:
- أولاً: نشر جدول تركيب أسعار مفصل ودقيق مع كل تحديث دوري للاسعار دون مواربة.
- ثانياً: الإعلان الصريح عن السعر المرجعي العالمي، وتحديد فترة احتساب المتوسط المعتمدة، وفصل الرسوم عن الهوامش.
- ثالثاً: إخضاع آلية تسعير المحروقات برمتها لتدقيق مالي وفني مستقل.
- رابعاً: تفعيل أجهزة الرقابة على المنافسة ومنع أي ممارسات احتكارية أو تحكم مبطن بالأسواق.
- خامساً: إنشاء لوحة بيانات عامة ورقمية (Dashboard) تتيح للرأي العام مقارنة السعر المحلي بالمؤشرات العالمية لحظة بلحظة.
إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى جدول المحروقات صكاً مالياً يدفع ثمنه الشعب اللبناني مرتين: مرة في المحطة، ومرة في غياب المحاسبة والشفافية!
اقرأ أيضاً خاص- أرباح على جثث الودائع: كيف تُعيد المصارف اللبنانية رسملة نفسها من “الباب الخلفي”؟

