حذّر تقرير خاص لمراقب الدولة الإسرائيلي المنتهية ولايته متنياهو إنغلمان من أن إسرائيل تواجه تهديدًا متصاعدًا في الفضاء الرقمي، حيث تعمل جهات معادية، بينها إيران، بصورة منهجية ومخفية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف تعميق الانقسامات، زرع الذعر، والتأثير في نظرة الجمهور إلى الواقع، في لحظة تزداد حساسيتها مع اقتراب انتخابات الكنيست عام 2026.
وبحسب تقرير للصحافي موشيه كوهين في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، جاء في تقرير رقابي خاص حول التأثير الأجنبي عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن “تهديد التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي مقلق”، وفق ما حذّر مراقب الدولة المنتهية ولايته متنياهو إنغلمان.
وقال إنغلمان: “جهات معادية، بينها إيران، تستغل شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مخفي ومنهجي، من أجل تعميق الانقسامات، وزرع الذعر، وهندسة إدراك الواقع لدى الجمهور الإسرائيلي”.
وأشار إنغلمان إلى أن قانون مراقب الدولة يجيز للمراقب أن يقدّم إلى الكنيست وينشر للجمهور تقارير أُرسلت مسوداتها إلى الجهات الخاضعة للرقابة، وذلك خلال 3 أشهر من انتهاء ولايته. وكان إنغلمان قد أنهى مهامه في نهاية الأسبوع الماضي.
وأضاف إنغلمان: “وجدنا أن الجهوزية الوطنية في إسرائيل تعاني نقصًا جوهريًا: بعد 9 سنوات من تحديد التهديد لأول مرة في الدولة، لا تزال هناك سياسة وطنية ناقصة، ولا توجد جهة حكومية تقود التعامل مع هذا الملف. وذلك على الرغم من أن دولًا ومنظمات دولية صنّفت تهديد التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي كخطر استراتيجي، وأن المنتدى الاقتصادي العالمي صنّف تهديد التضليل والمعلومات الكاذبة في رأس قائمة المخاطر القصيرة المدى”.
وحذّر إنغلمان من أن هذا التهديد يزداد حدة مع اقتراب انتخابات الكنيست عام 2026، موضحًا: “هذه فترة حملة انتخابية حساسة بشكل خاص، وتشكل أرضًا خصبة لنشاط خبيث من لاعبين أجانب، إلى حد الخشية من التأثير على نتائج الانتخابات وتقويض ثقة الجمهور بالنتائج”.
كما حذّر من أن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي يتيح للجهات المعادية إنتاج ونشر هويات وهمية ومحتوى مزيف بمستوى عالٍ من الموثوقية، وبكميات هائلة وبسرعة خاطفة.
وقال: “من دون جهوزية حكومية فورية ومنظمة، قد تؤدي محاولات التدخل في الخطاب الداخلي للدولة إلى المساس بسيادة الدولة وتقويض ثقة الجمهور بالعملية الديمقراطية”. وأضاف: “أطلب رفع علم أبيض: إن ترك الفجوات في مجال التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي من دون معالجة يترك الجمهور الإسرائيلي مكشوفًا، ويتطلب عملًا وطنيًا حازمًا”.
وقدّم إنغلمان مثالًا على انتشار واسع لحملة تأثير إيرانية، قال إنها جرت في الأيام الأولى من حرب “السيوف الحديدية”، بهدف إنتاج وتثبيت رواية الإبادة الجماعية في غزة بأسرع وقت ممكن، من خلال نشر واسع على شبكات التواصل الاجتماعي.
وتُظهر البيانات المعروضة في تقرير الرقابة أن خطر التضليل والمعلومات الكاذبة صُنّف في رأس قائمة المخاطر القصيرة المدى لدى المنتدى الاقتصادي العالمي في عامي 2024 و2025، وكذلك في رأس قائمة المخاطر لدى الأمم المتحدة.
كما أورد التقرير أن نحو 58% من الإسرائيليين يتابعون الأخبار بشكل متكرر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفق بيانات استطلاع جمعية الإنترنت الإسرائيلية والتخنيون.
وتضمن التقرير أيضًا معطى يفيد بأن نحو 5 ملايين رسالة SMS أُرسلت من جانب إيران وحزب الله في أيلول 2024 إلى مواطني الدولة، وتضمنت إنذارات طوارئ للدخول الفوري إلى الملاجئ، بهدف إثارة الذعر في صفوف الجمهور.
ويؤكد معدّو التقرير أنه لا توجد آلية أو جهة رسمية يمكن أن تتوجه إليها جهات المجتمع المدني والجمهور للإبلاغ عن شبهات بمحاولات تأثير أجنبي.
وأشار مراقب الدولة المنتهية ولايته إلى أنه منذ عام 2017، نبّهت جهات عدة في إسرائيل، بينها الشاباك، ومجلس الأمن القومي، ومنظومة السايبر، ووزارة الاستخبارات، وجهات بحثية ومدنية، إلى التهديد الناجم عن التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي، وإلى تصاعد محاولات التأثير الخارجي.
وقال إنغلمان إن هذه الجهات قادت عدة مبادرات لإطلاق تنظيم شامل بين المؤسسات من أجل التعامل مع التهديد، “إلا أن هذه المبادرات لم تُدفع قدمًا”.
وبحسب التقرير، بعد اندلاع حرب “السيوف الحديدية”، شددت منظومة السايبر على أن الجمهور الإسرائيلي هدف لمحاولات تأثير ونشر تضليل في الفضاء الرقمي، وأن الحديث يدور عن أداة استراتيجية يستخدمها أعداء إسرائيل.
وكتب معدّو التقرير: “أشارت المنظومة إلى أنها تعتقد أنه لم يُقدَّم رد كافٍ على هذه الجهود، وفصّلت سلسلة من الفجوات في التعامل مع التهديد”. وأضافوا: “تبيّن أنه في غياب موافقة رئيس الحكومة على الخطط، وفي غياب موافقة على الميزانية المطلوبة لتنفيذها، دفعت منظومة السايبر باتجاه خطوات تتركز أساسًا في مجال التربية والتوعية لمواجهة التهديد، إلى جانب خطوات أولية لفحص إمكانات تكنولوجية لتوسيع قدرات الرصد بالتعاون مع جهات إضافية. أما الفجوات المركزية الأخرى التي أثارتها منظومة السايبر، فبقيت قائمة”.
كما أظهر التقرير أن الشاباك ينفذ عمليات كشف ورصد لمحاولات التأثير الأجنبي عبر الشبكة.
وجاء في التقرير: “على مدى السنوات، عادت جهات مختلفة وأثارت الحاجة إلى تحسين قدرات رصد الفضاء الرقمي من أجل كشف محاولات التأثير الأجنبي، وتم تنفيذ خطوات لتطوير أدوات تكنولوجية وإنشاء تعاونات لهذا الغرض”. وأضاف: “حتى شباط 2025، كانت أمام الشاباك تحديات معينة في مجال رصد وإحباط عمليات التأثير الأجنبي. ورغم أنه حتى تموز 2025 قُدّم رد معين على جزء من الصعوبات والتحديات التي واجهها، فإن بعض الصعوبات والتحديات لا تزال قائمة كفجوة، وتجري دراسة بشأن كيفية التعامل معها”.
وبيّنت الرقابة أيضًا أنه رغم أن وزارة الاتصالات ووزارة العدل تناولتا في الماضي مسألة تنظيم منصات المحتوى الرقمية، فإن التنظيم لم يُدفع قدمًا.
وفي خلاصة التقرير، رأى إنغلمان أن من مهام مجلس الأمن القومي، بين أمور أخرى، اقتراح جدول أعمال وقضايا للنقاش أمام رئيس الحكومة في شؤون الخارجية والأمن.
وقال في توصياته: “في ضوء تصاعد التهديد في مجال التأثير الأجنبي، بما في ذلك في الفضاء الرقمي، وبالنظر إلى أنه طوال سنوات لم تتبلور سياسة منظمة بشأن قيادة الملف على المستوى الوطني، وفي وقت يرى فيه مجلس الأمن القومي نفسه أن هناك حاجة إلى قرار حكومي بشأن إنشاء هيئة أركان مخصصة للتعامل مع تهديد التأثير الأجنبي، بما في ذلك في الفضاء الرقمي، تحت مكتب رئيس الحكومة وبميزانية مخصصة، يوصى بأن يقترح مجلس الأمن القومي على رئيس الحكومة مسارًا لمعالجة الملف، يكون قاعدة لاتخاذ قرارات حكومية بشأنه، مع الأخذ في الاعتبار السياسة والموارد والردود المطلوبة للتعامل مع مستوى التهديد المتطور”.
كما أوصى إنغلمان بأن يواصل الشاباك جهوده لتحسين كشف محاولات التأثير الأجنبي عبر الشبكة، وأن تعمل دائرة السايبر في النيابة العامة على تصنيف البيانات المتعلقة بعدد الطلبات التي أُحيلت إليها بشأن التأثير الأجنبي عبر الشبكة، بما في ذلك عدد الطلبات التي أُحيلت وتمت تلبيتها، وعدد الطلبات التي رُفضت، مع الإشارة إلى المنصات التي قُبلت أو رُفضت عليها.
وأوصى إنغلمان أيضًا بأن تحدد وزارة التربية المضامين المتعلقة بالتضليل والتفكير النقدي عمومًا، وفي الفضاء الرقمي خصوصًا، كمضامين إلزامية في جهاز التعليم بكل تياراته، بدءًا من سن مبكرة.
وبين التحذير من إيران، واقتراب انتخابات 2026، واتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل، يقدّم التقرير صورة لساحة مواجهة لم تعد محصورة بالصواريخ والحدود، بل تمتد إلى شاشة الهاتف حيث تُدار معركة الوعي والثقة والانتخابات.
