في وقت لا تزال فيه إيران تتأقلم مع مرحلة ما بعد وفاة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، بدأت تتكشف معالم نقاش داخلي غير مسبوق يطاول أحد أكثر ثوابت النظام الإيراني حساسية: هل لا يزال المرشد الأعلى صاحب القرار النهائي، أم أن مراكز قوى أخرى بدأت تنازعه صلاحياته؟

وبحسب تقرير نشرته وكالات الأنباء استنادًا إلى مقال في موقع “إيران إنترناشيونال”، استند النظام الإيراني طوال نحو نصف قرن إلى قاعدة واضحة مفادها أن الكلمة الأخيرة تعود دائمًا إلى المرشد الأعلى. ورغم وجود رئيس للجمهورية وبرلمان وقضاء ومؤسسات عسكرية وأمنية، بقيت سلطة الحسم محصورة بالمرشد. إلا أن هذه المعادلة، وفق التقرير، بدأت تتعرض للاهتزاز من داخل النظام نفسه.

وبدأ الجدل عقب الخلاف حول مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، بعدما اعتبر نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، محمد جعفر قائم بناه، أن مواقف المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لا تُطبق تلقائيًا، بل تخضع لآليات المؤسسات الرسمية في الدولة، قائلاً: “لو كانت كل آراء المرشد تُنفذ بلا نقاش، لما كانت هناك حاجة إلى مؤسسات مثل البرلمان أو المجلس الأعلى للأمن القومي”.

وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من التيار المحافظ المتشدد، الذي اتهم المسؤول الإيراني بالإساءة إلى مبدأ “ولاية الفقيه”، القائم على أن المرشد الأعلى يتمتع بالسلطة العليا في البلاد، معتبرًا أنه ساوى بين المرشد وبقية أصحاب القرار.

ونقل التقرير عن باتريك كلاوسون، نائب مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قوله إن مجرد طرح فكرة أن المرشد الأعلى ليس صاحب القرار النهائي يمثل تطورًا استثنائيًا. وأوضح أن أهمية التصريحات لا تكمن في موقع قائلها، بل في الفكرة التي طرحت للمرة الأولى بهذا الشكل داخل النظام.

وأضاف كلاوسون أن “هناك دائمًا عنصرًا من اتخاذ القرار الجماعي، لكن القرار النهائي كان يعود إلى المرشد الأعلى”، معتبرًا أن تحول القرارات المؤسسية إلى قرارات نافذة من دون موافقة المرشد سيشكل نموذجًا جديدًا ومختلفًا تمامًا في إدارة الدولة.

من جهته، رأى المؤرخ أراش عزيزي أن الجدل يعكس أزمة أعمق رافقت النظام الإيراني منذ تأسيسه، موضحًا أن الجمهورية الإسلامية قامت على تناقض بين المؤسسات المنتخبة ومنصب المرشد الأعلى الذي صُمم ليكون بمثابة “ملك فيلسوف” يقف فوق السياسة ويحسم الخلافات بين مراكز القوى.

وأشار عزيزي إلى أن هذا التناقض تراجع خلال عهد علي خامنئي، بعدما نجح في تركيز معظم مفاصل السلطة بين يديه، وقال: “لقد حوّل إيران عمليًا إلى نظام شخصي كانت لكلمته فيه القيمة العليا”. لكنه شدد على أن أي خليفة لن يتمتع بالمستوى نفسه من النفوذ الشخصي، متوقعًا أن تصبح القيادة الإيرانية المقبلة أكثر جماعية وأقل ارتباطًا بشخص واحد.

وبحسب عزيزي، فإن عملية نقل الصلاحيات بدأت حتى قبل وفاة علي خامنئي، إذ انتقلت تدريجيًا، بعد حرب الـ12 يومًا، صلاحيات تنفيذية متزايدة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم ممثلين عن الرئاسة والقضاء والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات ومؤسسات الدولة الأخرى.

واعتبر أن تصريحات قائم بناه لا تمثل فقط دفاعًا عن المفاوضات مع واشنطن، بل تعكس تحولًا أوسع في طبيعة مؤسسة المرشد الأعلى، التي قد تنتقل من كونها مصدر السلطة الوحيد إلى أحد مراكز القرار داخل النظام.

ورجح عزيزي أنه إذا استمر هذا المسار، فقد تضطر إيران مستقبلًا إلى تعديل دستورها، وربما إلغاء منصب المرشد الأعلى بالكامل، أو دمجه بمنصب رئيس الجمهورية، أو إجراء إصلاح دستوري شامل.

في المقابل، قدم جوناثان سايا، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، قراءة مختلفة، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية لم تعد تشعر بالحاجة إلى إرضاء المؤسسة الدينية كما في السابق، لكنها لا تسعى إلى إلغاء منصب المرشد الأعلى، بل إلى الإبقاء عليه كمصدر للشرعية الدينية والدستورية، مقابل انتقال النفوذ الفعلي تدريجيًا إلى المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري.

وقال سايا إن “الوضع المثالي بالنسبة للحرس الثوري هو استمرار نظام ولاية الفقيه، ولكن تحت هيمنة الحرس الثوري لا رجال الدين”.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإيرانية أن تصريحات نائب الرئيس جرى تحريفها، وأنه لم يشكك يومًا في صلاحيات المرشد الأعلى. إلا أن تقرير “إيران إنترناشيونال” يرى أن مجرد اندلاع هذا الجدل يكشف تحولًا عميقًا داخل بنية النظام، بعدما انتقل الصراع من التنافس بين المؤسسات إلى التشكيك في مركز السلطة نفسه.

ويبقى السؤال المطروح، وفق التقرير، ليس فقط من سيكون مركز القوة النهائي في إيران، بل أيضًا ما إذا كانت مؤسسة المرشد الأعلى، بصيغتها التي كرّسها علي خامنئي، قادرة على الاستمرار في المرحلة المقبلة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version