لم يعد السؤال في إيران اليوم يدور فقط حول حدود القوة التي تتمتع بها مؤسسة المرشد، بل حول ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية دخلت عمليًا مرحلة مختلفة، تنتقل فيها من حكم الرجل الواحد إلى حكم مجلس أمني غير معلن، تديره شخصيات عسكرية وأمنية وقضائية تمسك بمفاصل الدولة.
وتشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث غربية وصحافة إيرانية معارضة إلى أن بقاء النظام متماسكًا، رغم الضربات التي طالت قياداته، لا يعود إلى قوة مؤسسة المرشد وحدها، بل إلى صعود شبكة قرار جماعية تتقدم فيها أجهزة الحرس الثوري والأمن والقضاء والشرطة على المؤسسات الدينية التقليدية.
وتقول مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ومقرها واشنطن، إن النظام الإيراني صُمم للبقاء بعد أي فرد، وإن السلطة الفعلية باتت تتوزع بين 5 رجال يمسكون بالمؤسسات الأكثر حساسية، هم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، رئيس القضاء غلام حسين محسني إيجئي، وقائد الشرطة أحمد رضا رادان.
ولا تكمن أهمية هذه القائمة في الأسماء فقط، بل في ما تمثله؛ فقاليباف يمنح النظام واجهة سياسية، وذو القدر يمسك بتنسيق الأمن القومي، ووحيدي يقود القوة العسكرية الأكثر نفوذًا، وإيجئي يدير الذراع القضائية، ورادان يتحكم بالشارع عبر الشرطة. وبذلك، لا تبدو إيران محكومة بشخص واحد، بل بتقاطع 5 مؤسسات صلبة.
ولا يُعد قاليباف، الذي يرأس البرلمان، سياسيًا تقليديًا، بل قائدًا سابقًا في الحرس والشرطة. أما ذو القدر، فهو أيضًا من أبناء الحرس، وسبق أن لعب أدوارًا في بناء الشبكات الخارجية التي تطورت لاحقًا إلى قوة القدس، وفق مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
أما وحيدي، فيُعد الشخصية العسكرية الأبرز في هذه المعادلة، وقد ظهر علنًا في التحضيرات لجنازة خامنئي، في إشارة إلى موقعه المتقدم داخل منظومة القرار، بحسب وكالة أسوشيتد برس.
وعلى الضفة الداخلية، يمثل إيجئي ورادان خط الدفاع الأمني عن النظام، إذ يقود الأول القضاء والمحاكمات، فيما يقود الثاني الشرطة في مواجهة الشارع. لذلك، تبدو تركيبة “المجلس غير المعلن” انعكاسًا لتحول عميق، يُظهر أن رجال الدين تراجعوا إلى الخلف، فيما تقدم رجال الأمن إلى الواجهة.
وتزيد الصحافة الإيرانية المعارضة من قوة هذه الفرضية، إذ ذكرت “إيران إنترناشيونال” أن مجتبى خامنئي، رغم إعلانه مرشدًا جديدًا، غاب عن الظهور العلني وعن أي خطاب مباشر، واكتفى النظام بقراءة رسائل منسوبة إليه، ما فتح باب التساؤل حول من يمارس السلطة فعليًا.
وفي تقرير آخر، قالت الصحيفة إن اختيار مجتبى نفسه جاء تحت ضغط الحرس الثوري على مجلس الخبراء، في مشهد لا يوحي بانتقال ديني طبيعي للسلطة بقدر ما يوحي بتسوية أمنية فرضتها موازين القوة داخل النظام.
كما ذكر تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” أن المسؤولين الإيرانيين حاولوا خلال الفترة الأخيرة التأكيد أن مجتبى لا يزال ممسكًا بالقرار، وسط تكهنات واسعة بأن الحرس الثوري هو من يدير عملية صنع القرار فعليًا.
من جهته، يرى معهد واشنطن أن إيران تحولت، بفعل تمدد الحرس منذ العام 1979، إلى دولة أمنية مركزية، تمتلك اليوم طبقات متعددة من الضباط الحاليين والمتقاعدين القادرين على سد الفراغات بعد استهداف القيادات، وهو ما يفسر قدرة النظام على امتصاص الضربات من دون انهيار سريع.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي محمد يوسف النور، في حديث لـ”إرم نيوز”، أن ما شهدته إيران لا يمثل مجرد انتقال للأشخاص، بل تحولًا في بنية النظام نفسه.
ويقول النور إن القراءة التقليدية التي تربط استقرار الجمهورية الإسلامية بشخص المرشد لم تعد كافية، لأن السنوات الأخيرة، لا سيما بعد الضربات التي استهدفت قيادات عسكرية وأمنية، دفعت النظام إلى توزيع مراكز القرار على مجموعة من المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يضمن استمرارية الحكم حتى في حال غياب رأس الهرم.
ويضيف أن إيران تتجه تدريجيًا نحو نموذج “القيادة الجماعية الأمنية”، حيث يبقى المرشد المرجعية الدستورية والرمزية، بينما تُصنع القرارات التنفيذية والأمنية عبر مجلس غير معلن يجمع قادة المؤسسات الأكثر نفوذًا.
ويخلص إلى أن هذه الصيغة تجعل النظام أكثر قدرة على امتصاص الفراغات القيادية، لكنها في المقابل تدفعه إلى مزيد من الانغلاق والعسكرة، لأن منطق الأمن يصبح المحرك الأساسي للقرار، على حساب السياسة والإصلاح.
