خاص JNews Lebanon
بينما يضبط العالم ساعته على مشهدين؛ احتفالي في واشنطن بذكرى الاستقلال الأميركي، وجنائزي مهيب في طهران لتشييع مرشد الجمهورية الإسلامية الراحل السيد علي الخامنئي في رحلة أياّم ستة تمر بالعراق لتنتهي في مشهد، يسير لبنان الرسمي بثبات نحو تثبيت ركائز خطته السيادية. للمرة الأولى منذ عقود، سحبت بيروت ورقتها بالكامل من يد الإقليم; حضرت في طهران بروتوكولياً عبر وزير الدفاع ميشال منسى لتقديم واجب العزاء، لكنها أدارت ظهرها بوضوح لـ”محور الإسناد”، مكرسةً معادلة جديدة: لبنان ليس رهينة حسابات أحد، وهو وحده وليّ أمره.
اقرأ أيضاً في الحصاد- ديبلوماسية “الندّية” السورية تخترق جبهة الرفض.. هل تراجع بري وجنبلاط أمام “اتفاق الإطار”؟
هذه النقلة النوعية تُرجمت في الكباش المحتدم حول “صيغة الإطار” الموقعة في واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، والتي تحولت إلى منصة لفرز سياسي حاد بين أغلبية سيادية عابرة للطوائف تقودها بعبدا، وأقلية مأزومة تحاول المكابرة والعيش على أوهام “حروب الإسناد” التي لم تجرّ على البلاد سوى الكوارث التدميرية.
مصادر JNews الخاصة: كواليس الحسم العسكري وبدعة “المناطق التجريبية”
علمت مصادر JNews Lebanon الحصرية من أروقة القرار العسكري، أن الجانب الأميركي عبر قائد مشاة البحرية في المنطقة الوسطى، اللواء جوزف كليرفيلد المتواجد في تل أبيب، يضع اللمسات الأخيرة قبيل عودته إلى بيروت لتحديد الجدول الزمن لبدء الانسحاب الإسرائيلي.
وتؤكد معلوماتنا أن التنسيق اليومي والمباشر بين رئيس الجمهورية جوزف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل تمخض عن جهوزية تامة لنشر وحدات المؤسسة العسكرية فوراً في “المنطقتين التجريبتين”، بالتزامن مع إجراءات صارمة لنزع سلاح أي مجموعات مسلحة غير شرعية، لبسط سيادة الدولة الكاملة وحصر البندقية بيد الجيش.
اقرأ أيضاً خاص- “اتفاق الإطار” في مهب الكباش السياسي: خطوط حمر تمنع الانفجار
بعبدا تقود الهجوم المضاد: “لن أقعد وأتفرج على شعبي يموت”
في المقابل، رسم رئيس الجمهورية العماد جوزف عون معالم “دفاع هجومي” صلب أمام الوفود المؤيدة المقرّبة التي غصّ بها قصر بعبدا، موجهاً رسائل نارية ومباشرة لحارة حريك. ونُقل عن الرئيس عون قوله لزواره بلهجة حاسمة: “شو بدو حزب الله يعني؟ إقعد إتفرج؟ إيه لأ.. ما رح إقعد إتفرج ع شعبي عم بموت”.
عون شدد على أن “صيغة الإطار” لا تشرّع بقاء الاحتلال، بل تمنح الجيش اللبناني حصرية السيطرة الميدانية، معتبراً أن “القوة الحقيقية لا تكمن في خوض الحروب وإطالة أمدها إلى ما لا نهاية، بل في امتلاك الشجاعة لإنهائها بالتفاوض”. وتابع عون بكلام عالي السقف أن “قرار لبنان السيادي بالانفصال عن المسار الإيراني-الأميركي ومسار إسلام آباد، بات يشكل مشكلة حقيقية لمن اعتاد أن يعيش تحت عباءة الوصايات الخارجية التي تقرر عنه وتفاوض باسمه”.
اقرأ أيضاً في الخفايا- مخطط اميركي- سوري لعزل حارة حريك
جبهة الممانعة تهبط لغدر قائد الجيش.. وبري يفرمل الشارع
أمام هذا الحسم السيادية، شنت جبهة الممانعة حملة إعلامية وسياسية عنيفة شهدت تجاوزاً بالغ السلبية للخطوط الحمراء، تمثلت بالزج بالمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان لإطلاق نبرة هبوط تعبيري تخوينية ضد مقام رئاسة الجمهورية، واصفاً الاتفاق بـ”صهينة لبنان” وسقوط وطني أخطر من اتفاق 17 أيار.
إلا أن هذا الصراخ السياسي واجهه كبح حازم في الميدان وداخل المؤسسات:
- نبيه برّي وضبط الشارع: رغم الرفض القاطع الذي سجله المكتب السياسي لحركة أمل لـ”صيغة الإطار” وتحفظ وزراء الثنائي في جلسة السراي الحكومي لعلة عدم الاطلاع، إلا أن الرئيس نبيه بري أثبت مجدداً أنه ضابط الإيقاع المانع لانجرار الشارع نحو الفتنة. وفي لقاء لافت جمعه في عين التينة مع قائد الجيش رودولف هيكل، قطع بري الطريق على طباخي تسريبات الإقالة والتشكيك بالمؤسسة العسكرية، جازماً لزواره بأن “النيل من قائد الجيش يؤدي إلى خراب البلد”.
- الموقف الإيراني والمناورة الموازية: بالتزامن مع كلام قاليباف التهديدي لواشنطن وتل أبيب بضرورة الالتزام بمذكرة التفاهم، برزت دعوته اللافتة للمكونات اللبنانية لتنفيذ البند الخاص بلبنان في الاتفاق الإيراني-الأميركي “لمنع الفتنة”، وهو ما تقاطعت عنده بعبدا لجهة رفض أي ربط للمسارات.
بينما يستمر الترقب الدبلوماسي لتسمية ممثل لبنان في اللجنة الخماسية لمراقبة خفض التصعيد (بمشاركة أميركا، إيران، باكستان، قطر، ولبنان)، حطت الحرب أوزارها الميدانية على مآسٍ إنسانية لا تحصى. فبالتوازي مع الحراك السياسي، التقطت عدسة الواقع المشهد الأكثر إيلاماً مع عثور الجيش والدفاع المدني على جثامين ثلاثة شبان مفقودين منذ إعلان وقف إطلاق النار (بانتظار فحوص الـ DNA) ونجاة رابع جريحاً.
ألف يوم على “طوفان الأقصى” وأكثر من مئة يوم على “حرب الإسناد الثانية” لأجل طهران، لم تحصد فيها السياسة الإيرانية سوى تدمير ستين بلدة جنوبية واقتلاع معالمها، وسقوط أكثر من 4200 شهيد ومفقود دون رصد دولار واحد لإعادة الإعمار في صناديق مجالس السلام الوهمية. لقد حان الوقت لتسترد الدولة مرجعيتها، ولتدرك حارة حريك أن زمن التفاوض باسم دماء اللبنانيين قد ولى إلى غير رجعة، وأن الجيش وحده هو الخط الأحمر الحامي للسيادة والحدود.
اقرأ أيضاً خاص- أرباح على جثث الودائع: كيف تُعيد المصارف اللبنانية رسملة نفسها من “الباب الخلفي”؟
