لم يكن الحدث في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مجرد وصول مسؤول سوري رفيع إلى لبنان، بل حجم الزخم السياسي الذي أحاط بها. فاللقاءات التي عقدها مع رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، ووزير الخارجية، إلى جانب المؤتمر الصحافي المشترك وجولته في طرابلس، أوحت بأن بيروت ودمشق تحاولان فتح صفحة جديدة في علاقتهما بعد سنوات من القطيعة والتوتر. لكن في العلاقات بين الدول، لا تُقاس قيمة الزيارات بحجم الاستقبال، بل بما تفتحه من مسارات وما تحققه من نتائج.

وتأتي هذه الزيارة في مرحلة تشهد فيها سوريا تحولات سياسية داخلية، فيما يواجه لبنان تحديات متراكمة تدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته في علاقته مع دمشق. فبين البلدين ملفات يصعب تأجيلها، من ترسيم الحدود، إلى مكافحة التهريب، مرورًا بالمفقودين، وصولًا إلى ملف النزوح السوري، الذي أصبح أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية على الساحة اللبنانية.

ولا اعتراض على مبدأ إعادة بناء العلاقات بين البلدين، فالجغرافيا والمصالح المشتركة تفرضان الحوار والتنسيق. لكن عندما تمنح الدولة اللبنانية زيارة بهذا المستوى كل هذا الزخم السياسي، يصبح من الطبيعي أن ترتفع التوقعات، وأن ينتظر اللبنانيون أن ينعكس هذا الانفتاح على الملفات التي تمس حياتهم اليومية بصورة مباشرة.

وفي مقدمة هذه الملفات يأتي النزوح السوري. فوفق خطة لبنان للاستجابة لعام 2026، التي وضعتها الحكومة اللبنانية بالتعاون مع الأمم المتحدة، لا يزال في لبنان نحو 1.12 مليون نازح سوري، فيما تستهدف الخطة تقديم المساعدات إلى 1.5 مليون شخص داخل لبنان، مع احتياجات تمويلية تُقدَّر بنحو 1.62 مليار دولار خلال عام واحد.

ولا تعكس هذه الأرقام حجم الاحتياجات الإنسانية فحسب، بل تكشف أيضًا حجم الضغوط التي تتحملها مؤسسات الدولة اللبنانية في ظل الأزمة الاقتصادية. فالمدارس الرسمية، والمستشفيات الحكومية، والبلديات، والبنى التحتية، وشبكات المياه والكهرباء، وسوق العمل، تعمل منذ سنوات تحت أعباء استثنائية، فيما ينعكس ذلك مباشرة على حياة اللبنانيين. فالمواطن الذي ينتظر سريرًا في مستشفى حكومي، أو مقعدًا لابنه في مدرسة رسمية، أو خدمة أساسية من بلديته، لا يقيس نجاح الزيارات الرسمية بالصور التذكارية، بل بقدرتها على تخفيف هذه الأعباء.

ولهذا السبب، كان يُنتظر أن يشكل هذا الملف محورًا أساسيًا في الزيارة، وأن يخرج من إطار التأكيد السياسي إلى مستوى الإعلان عن خطوات عملية.

والواقع أن قضية العودة كانت حاضرة في المحادثات والتصريحات الرسمية. فقد أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن السوريين غادروا بلادهم بسبب الحرب، وأن تبدل الظروف يفتح الباب أمام “عودة كريمة ومستدامة”، مشيرًا إلى خطط يجري العمل عليها بدعم دولي. كما أكد الجانب اللبناني أن ملف العودة كان من بين أبرز القضايا التي نوقشت، إلى جانب ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وملف المفقودين، وسائر الملفات الثنائية.

غير أن ما أُعلن حتى الآن بقي ضمن إطار المبادئ العامة، من دون الإعلان عن جدول زمني، أو آلية تنفيذية مشتركة، أو مؤشرات واضحة يمكن من خلالها تقييم التقدم في ملف العودة خلال المرحلة المقبلة. ومن هنا برزت الفجوة بين الزخم السياسي الذي أحاط بالزيارة، والنتائج التنفيذية التي أُعلن عنها حتى الآن.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الزيارة أو من تعقيد هذا الملف، الذي يرتبط بعوامل لبنانية وسورية ودولية، كما لا يعني أن مثل هذه القضايا يمكن حسمها خلال زيارة واحدة. إلا أن مستوى التمثيل السياسي الذي رافق الزيارة جعل من الطبيعي أن ترتفع التوقعات، وأن ينتظر اللبنانيون رؤية مسار عملي أكثر وضوحًا لمعالجة القضية التي تعتبرها الدولة اللبنانية من أبرز أولوياتها.

وهنا لا يقتصر النقاش على الجانب السوري، بل يشمل أيضًا الأداء اللبناني. فإذا كانت السلطات تعتبر النزوح أحد أكبر التحديات الوطنية، فمن المشروع التساؤل عمّا إذا كانت هذه الزيارة قد استُثمرت إلى أقصى حد ممكن للحصول على مسار تنفيذي أوضح، أم أن ذلك سيُترك لجولات لاحقة من الحوار.

قد تكون زيارة الشيباني قد فتحت بابًا سياسيًا جديدًا في العلاقات اللبنانية – السورية، وهذا تطور يستحق المتابعة. لكن الحكم الحقيقي على هذا المسار لن يُبنى على مستوى الاستقبال ولا على عدد الاجتماعات، بل على قدرة الطرفين على تحويل ما أُعلن من نيات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، ولا سيما في ملف النزوح الذي يلامس الاقتصاد، والخدمات، والاستقرار الاجتماعي في لبنان.

فإذا تحولت التصريحات إلى آليات واضحة وجداول زمنية وخطوات ملموسة، يمكن اعتبار الزيارة بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. أما إذا بقيت النتائج ضمن حدود البيانات العامة، فسيبقى السؤال الذي طرحته الزيارة حاضرًا: هل استطاع لبنان أن يحوّل هذا الزخم السياسي إلى مكاسب عملية، أم أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version