كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
ضجّت الأوساط المالية مؤخراً بتقارير تشير إلى بدء بعض المصارف اللبنانية بتسجيل نتائج مالية رابحة تدريجياً، بعد سنوات عجاف من تآكل الميزانيات، وضياع الرساميل، وشلل وظيفة الوساطة المصرفية التقليدية. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الخبر مؤشراً إيجابياً لطرق أبواب التعافي، إلا أن السؤال الجوهري والمقلق الذي يطرحه الخبراء والمراقبون ليس ما إذا كانت المصارف قد عادت إلى الربحية، بل: كيف تحققت هذه الربحية، وعلى حساب مَن؟
اقرأ أيضاً خاص- “اتفاق الإطار” في مهب الكباش السياسي: خطوط حمر تمنع الانفجار
هندسة “تفكيك الالتزامات”: هيركات مقنّع بقرارات رسمية
تؤكد مصادر اقتصادية رفيعة لـ JNews Lebanon أنه لا يمكن قراءة هذه النتائج بمعزل عن الهيكل المشوّه للميزانيات المصرفية بعد الأزمة. فجزء كبير من التحسن الظاهر في الربحية لا يعكس بالضرورة عودة صحية إلى النشاط المصرفي التقليدي (أي الإقراض والاستثمار وتوليد القيمة)، بل يأتي نتيجة استمرار عملية تفكيك ممنهجة لجانب الالتزامات (Liabilities)، وتحديداً التزامات المصارف تجاه المودعين، عبر آليات تخفض القيمة الاقتصادية الحقيقية للودائع.
المعادلة المحاسبية الملتوية: عندما يُسمح للمودع بالسحب على سعر 15,000 ليرة للدولار، في حين يبلغ سعر الصرف الرسمي في مصرف لبنان نحو 89,500 ليرة، فإن هذا الفارق الهائل لا يمثل مجرد “خسارة سعر صرف” عابرة. من منظور مالي، هذا التعدد في أسعار الصرف هو تخفيض فعلي ومباشر في القيمة القابلة للاسترداد للوديعة (Recoverable Value)، أي ما يشبه “الاقتطاع الفعلي” (Haircut) غير المعلن، يتم تمريره تدريجياً عبر قيود السحب اليومية والشهرية. هذا الفارق يتم شطبه من دفاتر المصرف كالتزام، ليتحول سحرياً إلى بند “أرباح تسوية” أو تقليص للخسائر المتراكمة.
اقرأ أيضاً خاص- زلزال المحروقات.. قرار مفاجئ يقلب الأسعار!
“كارتيل العمولات” يلتهم ما تبقى من سيولة
إلى جانب أرباح فروقات الصرف، تكشف مصادر مصرفية خاصة لـ JNews Lebanon عن أرقام مقلقة تتعلق بالرسوم والعمولات المرتفعة (Fees & Commissions) التي باتت المصارف تفرضها بشكل سريالي على العملاء والمودعين مقابل خدمات أساسية أو حتى مقابل إدارة الحسابات العالقة.
وفي وقت لا يزال فيه المودعون محرومين من الوصول الطبيعي والحر إلى أموالهم، تكشف معلوماتنا الحصرية أن الجزء الأكبر من الإيرادات التشغيلية الحالية للمصارف يأتي من جيب المودع نفسه. المودع اليوم بات خاسراً مرتين: أولاً عبر الاقتطاع المقنع (الهيركات) من القيمة الفعلية لوديعته عند السحب، ومرة أخرى عبر تحميله كلفة مصرفية مرتفعة وعمولات فريش على أموال مجمدة لا يستطيع التصرف بها بحرية.
فجوة الملاءة مستمرة: أرباح فاقدة للشرعية الأخلاقية
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية التي تضعها JNews Lebanon برسم الرأي العام والهيئات الرقابية: لا يجوز التعامل مع الأرباح المصرفية الحالية كأنها أرباح تشغيلية طبيعية (Operating Profits) أو مؤشر تعافٍ مستدام، طالما أن فجوة الملاءة (Solvency Gap) لم تعالج بعد، وطالما أن الخسائر التاريخية والفجوة المالية في مصرف لبنان لم يتم الاعتراف بها وتوزيعها وفق قواعد عادلة.
اقرأ أيضاً في الخفايا- الملحق السري ينكشف.. ساعة الصفر دقت بالجنوب!
| الواقع المصرفي الحالي | التوصيف المالي الصحيح |
|---|---|
| نمو الأرباح الظاهرية | إعادة توزيع للخسائر من المصرف إلى المودع |
| تعدد أسعار السحب (15,000 ضد 89,500) | اقتطاع مقنّع وشطب التزامات من طرف واحد |
| ارتفاع إيرادات العمولات | قضم مباشر من السيولة المتبقية للمودعين العالقين |
إن الربحية في ظل ميزانيات مثقلة بودائع عالقة وتوظيفات غير قابلة للتحصيل الكامل لا تعني خلق قيمة جديدة، بل تعني ببساطة أن المودعين يتم استخدامهم كأداة لإعادة رسملة المصارف من “الباب الخلفي” وتجميل النتائج المالية للإيحاء بأن القطاع تجاوز الأزمة.
الموقف الحاسم: المودع دائن وليس مساهماً
إن القواعد الاقتصادية والتشريعية واضحة: المودعون ليسوا مساهمين (Shareholders) كي يتحملوا خسائر رأس المال أو مخاطر تشغيل المصارف، بل هم دائنون (Creditors) في ميزانيات هذه المصارف.
بناءً على هذا المبدأ، فإن أي أرباح أو عوائد تحققها المصارف في هذه المرحلة يجب أن تُحجز بالكامل، وبقوة القانون، ضمن آلية واضحة ومستقلة لصالح صندوق استرداد الودائع، لا أن تُستخدم لتغطيّة مصاريف الإدارات العامة للمصارف أو تحسين مؤشرات الأداء الوهمية.
قبل الحديث عن توزيع الأرباح، أو التباهي بالعودة إلى النمو، يجب أن تكون الأولوية المطلقة والوحيدة هي إعادة تكوين حقوق المودعين وتعظيم نسب الاسترداد. فبالميزان الاقتصادي والأخلاقي، أي ربحية مصرفية لا تمر عبر إنصاف المودع هي ربحية باطلة وفاقدة للشرعية، ولن يشهد القطاع تعافياً حقيقياً قبل الاعتراف بالخسائر، وإعادة هيكلة الميزانيات، ووضع حقوق الناس في مقدمة أي خطة إنقاذ حكومية أو مصرفية.
