إذا كانت قضية “Yamas Beirut” قد كشفت عن وجود قاصرين داخل ملهى ليلي، فمن يضمن أن هذه هي القضية الوحيدة؟ ومع دخول لبنان ذروة الموسم الصيفي، لم يعد السؤال ماذا حصل، بل كم ملفًا مشابهًا لم يُكشف بعد، وكم مراهقًا سيدخل خلال الأسابيع المقبلة إلى عالم لا تراقبه الدولة إلا بعد وقوع الضرر؟
قد يعتقد البعض أن ما جرى لا يعدو كونه مخالفة لشروط الترخيص أو إخفاقًا في التحقق من أعمار الداخلين. لكن الحقيقة أن القضية أعمق بكثير. فـ”Yamas” لم يكشف فقط ثغرة رقابية، بل فتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق باقتصاد موازٍ ينمو كل صيف في الظل، ويجد في المراهقين سوقًا استهلاكية مربحة كلما تراجعت الرقابة وغابت السياسة الوطنية لحمايتهم.
واللافت أن المؤسسة نفسها، وبعد انكشاف الملف، أعلنت عبر منصاتها أن الدخول أصبح “للبالغين فقط”، وأن التحقق من الهوية بات “غير قابل للتفاوض”. وهذا الإعلان، بدل أن يطوي الملف، أعاد طرح سؤال مشروع: إذا كانت هذه الإجراءات ممكنة اليوم، فلماذا لم تكن مطبقة خلال الفترة التي يشملها التحقيق؟ وإذا كان تشديد الرقابة أصبح ضرورة بعد انكشاف القضية، فهل كان بالإمكان منع دخول القاصرين لو اعتُمدت هذه الضوابط منذ البداية؟
هذه الأسئلة لا تشكل إدانة مسبقة، لكنها أسئلة يفرضها المنطق، وينتظر الرأي العام أن تجيب عنها التحقيقات الجارية.
لكن، في المقابل، سيكون خطأ كبيرًا اختزال القضية في ملهى واحد.
فـ”Yamas” قد يكون كشف المشكلة، لكنه ليس المشكلة نفسها.
ليست القضية ملهى ليليًا، بل سوقًا كاملة.
فالحديث لا يقتصر على بطاقة دخول أو طاولة أو مشروب، بل على دورة مالية تبدأ منذ اللحظة التي يُستهدف فيها المراهق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرورًا بالحفلات الخاصة وخدمات النقل والترويج الرقمي، وصولًا إلى كل ما يُنفق داخل هذه البيئة. إنها شبكة من الأنشطة قد يكون جزء كبير منها قانونيًا، لكن دخول القاصر إليها بصورة مخالفة للقانون يحولها إلى بيئة تستفيد اقتصاديًا من وجوده في مكان لا يفترض أن يكون فيه أصلًا.
وهنا يبرز مفهوم “الاقتصاد الأسود”.
ولا يُقصد به مؤسسة بعينها أو نشاطًا واحدًا، بل ذلك الاقتصاد الموازي الذي ينمو كلما اجتمعت ثلاثة عناصر: طلب مرتفع، وأرباح سريعة، ورقابة ضعيفة. فعندما تتوافر هذه الشروط، تبدأ الأسواق الموازية بالازدهار تلقائيًا، ويصبح القاصر زبونًا مستهدفًا بدل أن يكون شخصًا تحميه الدولة والقانون.
والأخطر أن هذا الاقتصاد لا يحتاج إلى إدارة مركزية أو تنظيم واحد، لأنه يتغذى من منظومة متكاملة. فهناك من يروّج، ومن ينظم، ومن ينقل، ومن يحقق الأرباح، فيما تبقى الدولة في كثير من الأحيان منشغلة بملاحقة النتائج بدل معالجة الأسباب.
لقد تغيّر كل شيء خلال السنوات الأخيرة.
في السابق، كانت الملاهي تعلن عن سهراتها عبر الإعلانات التقليدية. أما اليوم، فقد أصبحت الحملات التسويقية تبدأ على شاشات الهواتف، من خلال مقاطع الفيديو القصيرة، والمؤثرين، والدعوات المغلقة، والمجموعات الخاصة، حيث يتحول المراهق إلى هدف مباشر قبل أن يصل أصلًا إلى باب أي مؤسسة.
ولذلك، فإن الاكتفاء بالحديث عن التحقق من الهوية عند المدخل لم يعد كافيًا.
المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ عندما تُباع للمراهق صورة ذهنية توحي له بأن الحضور إلى هذه الأماكن هو معيار للقبول الاجتماعي، وأن نشر صورة من حفلة أو سهرة يمنحه مكانة بين أقرانه، وأن الغياب يعني البقاء خارج المجموعة. إنها صناعة نفسية قبل أن تكون صناعة تجارية، تقوم على استثمار حاجة المراهق إلى الانتماء وإثبات الذات، ثم تحويل هذه الحاجة إلى أرباح.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: لماذا يسعى القاصر أصلًا إلى دخول هذه الأماكن؟
الإجابة لا تتعلق بالفضول وحده، بل بمرحلة عمرية شديدة الحساسية، يكون فيها الشاب أو الفتاة أكثر تأثرًا بضغط الأصدقاء، وأكثر بحثًا عن الاعتراف الاجتماعي، في وقت تغيب فيه غالبًا البدائل الرياضية والثقافية والترفيهية التي تستوعب طاقات الشباب خلال العطلة الصيفية.
لذلك، فإن اختزال القضية بالمؤسسة وحدها لا يقدّم حلًا.
المؤسسة مسؤولة عن الالتزام بالقانون، والدولة مسؤولة عن الرقابة، والقضاء مسؤول عن تطبيق العدالة، لكن الأسرة أيضًا مسؤولة عن المتابعة، والمدرسة مسؤولة عن بناء الوعي، والمنصات الرقمية تتحمل جزءًا من المسؤولية عن آليات الترويج والاستهداف، والمجتمع مسؤول عن الثقافة التي باتت تساوي أحيانًا بين “التحرر” وغياب الضوابط.
ومع بداية الصيف، يحق للبنانيين أن يسألوا: هل توجد خطة وطنية لحماية المراهقين؟ وهل أعدت الدولة برامج تفتيش استثنائية؟ وهل هناك تنسيق فعلي بين وزارات الداخلية والسياحة والعدل والتربية والشؤون الاجتماعية؟ أم أننا سننتظر الملف التالي لنعقد الاجتماعات نفسها ونطرح الأسئلة نفسها؟
إن أخطر ما في هذه القضية أنها كشفت أن الاقتصاد الأسود لا ينمو في الفراغ، بل في المساحات التي تغيب عنها الرقابة وتتأخر فيها المحاسبة. وكلما ضعفت الرقابة، اتسعت السوق. وكلما تأخرت المحاسبة، ارتفعت الأرباح.
لذلك، فإن أي حديث عن الاقتصاد الأسود لا يعفي المؤسسات من مسؤولياتها الفردية، كما لا يعفي الدولة من مسؤولياتها الرقابية. فكل مؤسسة تلتزم بالقانون تضيق مساحة هذا الاقتصاد، وكل مؤسسة تتهاون في تطبيق الضوابط، عمدًا أو نتيجة إهمال، تفتح ثغرة جديدة أمامه. ولهذا، فإن قضية “Yamas” لا يجب أن تُختزل في اسم ملهى، لكنها أيضًا لا يجوز أن تمر من دون مساءلة واضحة حول كيفية حصول الوقائع التي يخضع لها التحقيق.
إن المجتمعات لا تُقاس بعدد الدوريات الأمنية ولا بعدد محاضر الضبط، بل بقدرتها على حماية من لا يستطيع حماية نفسه. والمراهق في هذه المرحلة العمرية لا يمتلك دائمًا القدرة على تقدير المخاطر أو مقاومة الضغوط الاجتماعية، ولهذا وُجدت القوانين أصلًا.
وربما تكون قضية “Yamas” فرصة نادرة.
ليس لأنها كشفت مخالفة محتملة فحسب، بل لأنها كشفت فراغًا في السياسة العامة لحماية المراهقين. فإذا استُثمر هذا الملف لبناء استراتيجية وطنية متكاملة، فقد يتحول إلى نقطة تحول حقيقية. أما إذا انتهى عند حدود التحقيقات، فإن الاسم سيتغير في الصيف المقبل، لكن القصة ستتكرر، لأن الاقتصاد الذي يتغذى على استهلاك المراهقين سيبقى يعمل ما دامت البيئة التي تسمح له بذلك لم تتغير.
وعندما ينتهي هذا الصيف، لا ينبغي أن يكون السؤال كم ملهى أُقفل أو كم محضرًا نُظم، بل سؤالًا واحدًا فقط:
هل نجح لبنان في حماية جيله… أم ترك الاقتصاد الأسود يكبر على حسابه؟

