لم تمضِ سوى أيام قليلة على توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، حتى وُضعت الساحة الداخلية على “حدّ السكين”، ولو على المستوى السياسي والكلامي، بعدما انحسر حراك الثنائي الشيعي في الشارع. ولم تعد الأنظار مركّزة على بنود الإتفاق بقدر ما اتجهت إلى التداعيات التي بدأ يرسمها داخل المشهد السياسي.

فالحدث، بما يحمله من أبعاد أمنية وسياسية وإقليمية، فتح الباب أمام إعادة قراءة موازين القوى والتحالفات، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل العلاقة بين مراكز القرار والقوى السياسية الأساسية. كما وضع لبنان أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة تموضع اللاعبين المحليين على وقع التسويات الإقليمية والدولية.

ومع الرعاية الأميركية المباشرة، التي تجلّت في بيروت خلال اليومين الماضيين، واحتدام المواجهة الداخلية حول الوساطة الأميركية، لا يبدو ممكناً اختزال الإتفاق بمحطة تقنية أو أمنية فحسب، بل يشكّل، بحسب توصيف نائب مسيحي مستقل، محطة مفصلية ومنعطفاً سياسياً ستكون له انعكاسات مباشرة على العلاقة بين الثنائي الشيعي من جهة، ورئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة أخرى.

ويؤكد النائب المسيحي المستقل لـ”ليبانون ديبايت” أن التباين برز بعد أقل من أسبوع على اتفاق واشنطن، موضحًا أن الساعات الأولى التي أعقبت التوقيع كانت كافية لإظهار اختلاف واضح في مقاربة إدارة الصراع مع إسرائيل، وحدود الإنتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق تثبيت الإستقرار ضمن تفاهمات دولية وإقليمية.

ويعكس هذا الواقع، وفق قراءة النائب المستق، إنقساماً سياسياً وشعبياً حول تفسير الإتفاق وأبعاده، فهناك من اعتبره خطوة ضرورية لحماية لبنان، وإعادة تثبيت الإستقرار، وفتح الباب أمام مرحلة إقتصادية جديدة، فيما رأى آخرون أنه يشكّل بداية مسار قد يفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على الساحة الداخلية.

ولم يعد الإنقسام يقتصر على قراءة بنود الإتفاق، بل امتد إلى النظرة لمستقبل لبنان السياسي والأمني، ولدور الدولة في إدارة الملفات السيادية، وهو ما انعكس بوضوح في النقاش الداخلي وفي مواقف القوى السياسية المختلفة.

ورغم تصاعد الحديث عن إعادة تشكيل التحالفات الداخلية، يرى النائب المستقل أن الجزم بولادة اصطفافات جديدة أو خريطة سياسية مختلفة لا يزال سابقاً لأوانه، إذ إن المشهد ما زال في مرحلة اختبار، حيث تحاول بعض القوى السياسية الحفاظ على هامش واسع من المناورة، مع إبقاء أبوابها مفتوحة أمام مختلف الإحتمالات، بانتظار اتضاح صورة التسوية الإقليمية الكبرى التي بدأت ملامحها تتبلور.

في المقابل، تشير المعطيات المتوافرة لدى النائب نفسه، إلى تبلور محورين سياسيين بصورة أوضح من السابق، الأول يتمثل بالثنائي الشيعي، الذي لا يزال يستند إلى عمقه الإقليمي المتمثل بإيران، ويتمسك بخياراته الإستراتيجية في مقاربة ملفات السيادة والأمن والعلاقة مع إسرائيل، مع سعيه إلى الحفاظ على موقعه المؤثر في المعادلة الداخلية.

أما المحور الثاني، فيتمثل بالتقاطع السياسي بين رئيسي الجمهورية والحكومة، مدعوماً بقوى سياسية ونيابية ترى أن المرحلة تفرض تعزيز دور الدولة ومؤسساتها، والإنخراط في مسار يحظى بدعم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأوروبية، إلى جانب عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج.

غير أن اختزال المشهد في مواجهة بين محورين فقط قد لا يكون دقيقًا بالكامل، إذ يقرّ النائب المستقل بأن التعويل منذ الآن على ولادة تحالفات جديدة يبقى مبكراً. ويضيف أنه، رغم محاولة بعض الأطراف انتهاز الفرصة واللعب على أكثر من حبل، تحسباً لتحقيق مكاسب سياسية من هنا أو هناك، فإن قوى سياسية عديدة لا تزال تتجنّب التموضع النهائي، إدراكاً منها أن المنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات، وأن التسوية النهائية لم تنضج بعد، وإن كانت اتجاهاتها العامة قد أصبحت أكثر وضوحاً.

لذلك، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى مرحلة انتقالية منها إلى ولادة خريطة تحالفات جديدة، وهو ما يعزوه النائب إلى اتجاه معظم القوى السياسية، ولا سيما الثنائي الشيعي، إلى مراقبة التطورات الإقليمية والدولية عن كثب، لإعادة حساباتها وفق ما ستؤول إليه المفاوضات والتفاهمات التي تتجاوز الحدود اللبنانية، أو حتى في حال تعثرها، وهو احتمال بدأت مؤشرات الحديث عنه تتزايد، رغم انعقاد جلسة المفاوضات الأميركية – الإيرانية في الدوحة اليوم.

ويبقى الثابت، بحسب النائب المسيحي المستقل، أن تأثير اتفاق الإطار لم يقتصر على الجانب الأمني، بل أطلق دينامية سياسية جديدة ستنعكس على شكل السلطة، وآلية اتخاذ القرار، ومستقبل العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، وربما على طبيعة الحياة السياسية اللبنانية خلال السنوات المقبلة.

وحتى ذلك الحين، يتوقع النائب ذاته أن تبقى التحالفات الداخلية مرنة وقابلة للتبدل، بانتظار اكتمال صورة التسوية الكبرى التي سترسم، إلى حد بعيد، ملامح لبنان السياسي في المرحلة المقبلة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version