ربط وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بالدور الإيراني وبحزب الله، معتبرًا أن إسرائيل لن تكون بحاجة إلى البقاء في الجنوب إذا “كفّت إيران يدها عن لبنان”، في موقف يعكس محاولة إسرائيلية لوضع ملف الانسحاب ضمن معادلة أمنية وسياسية أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية المباشرة.
وقال ساعر، خلال كلمته في مؤتمر “ميوني إكسبو 2026” في تل أبيب، إن حزب الله أطلق منذ 2 آذار الماضي أكثر من 7000 صاروخ وقذيفة وطائرة مسيّرة من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل.
وسأل وزير الخارجية الإسرائيلي: “أي دولة تقبل بهذا الوضع ولا تتحرك لاستعادة الأمن لمواطنيها؟”، معتبرًا أن إسرائيل ولبنان لديهما “عدو مشترك هو حزب الله”، الذي وصفه بأنه “عدو مستقبل لبنان وسيادته واستقلاله، وكذلك عدو أمن إسرائيل”.
وشدد ساعر على أن إسرائيل لا تملك، بحسب قوله، أي خلاف حقيقي مع الحكومة اللبنانية، باستثناء بعض النقاط الحدودية التي اعتبر أنه يمكن حلها عبر مفاوضات قصيرة ومباشرة.
وأضاف: “إذا كفّت إيران يدها عن لبنان، فلن تكون هناك أي حاجة لإسرائيل للبقاء في جنوبه لحماية مواطنينا ومنع أي غزو بري مشابه لما حدث في 7 تشرين الأول”.
وتأتي تصريحات ساعر في توقيت سياسي بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع استمرار الحديث عن مفاوضات واتصالات مرتبطة بملف الجنوب، وبالبحث في ترتيبات قد تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة الأهالي إلى المناطق المتضررة، إلى جانب معالجة النقاط الحدودية العالقة.
غير أن كلام وزير الخارجية الإسرائيلي يطرح معادلة جديدة من وجهة نظر تل أبيب، تقوم على ربط أي انسحاب إسرائيلي من الجنوب ليس فقط بضمانات أمنية على الحدود، بل أيضًا بما تصفه إسرائيل بإنهاء النفوذ الإيراني داخل لبنان، وهو شرط سياسي ـ أمني معقد يفتح الباب أمام مزيد من التشابك بين الملف اللبناني والحسابات الإقليمية.
وأكد ساعر أن وسائل الإعلام الدولية، بحسب قوله، نادرًا ما تذكر أن حزب الله هو من بدأ الحرب في 2 آذار، بعد تلقيه تعليمات مباشرة من طهران، مشيرًا إلى أن هذا النمط تكرر كما حدث في 8 تشرين الأول 2023، عندما بدأ حزب الله هجماته بعد يوم واحد من هجوم حماس على إسرائيل.
ويأتي هذا الخطاب في إطار سعي إسرائيل إلى تقديم وجودها العسكري في الجنوب على أنه إجراء دفاعي مؤقت، مرتبط بمنع أي تهديد مباشر لمستوطناتها الشمالية، فيما يتمسك لبنان رسميًا بمطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وبأن أي ترتيبات أمنية لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لبقاء إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
كما تكشف تصريحات ساعر محاولة إسرائيلية للفصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله في الخطاب السياسي، عبر القول إن الخلاف ليس مع الحكومة اللبنانية بل مع الحزب وإيران، وهي مقاربة قد تستخدمها تل أبيب لدفع المجتمع الدولي إلى الضغط على بيروت في ملف حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة جنوبًا.
وفي المقابل، يبقى هذا الطرح شديد الحساسية لبنانيًا، لأن ربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط تتصل بإيران وحزب الله قد يعني عمليًا إبقاء ملف الجنوب معلّقًا على توازنات إقليمية معقدة، بدل حصره بالسيادة اللبنانية والانسحاب من الأراضي المحتلة وتثبيت وقف إطلاق النار.
وبذلك، تعكس مواقف ساعر تحوّلًا واضحًا في الخطاب الإسرائيلي: من الحديث عن ترتيبات حدودية محدودة إلى طرح معادلة سياسية واسعة عنوانها أن خروج إسرائيل من جنوب لبنان مرتبط بتراجع دور إيران وحزب الله، فيما يبقى السؤال الأساسي: هل يشكل هذا الكلام مدخلًا لتسوية أمنية، أم محاولة لتبرير بقاء طويل الأمد في الجنوب؟
