تتجه الأنظار إلى منتجع بورغنشتوك السويسري، حيث تنطلق الأحد أولى جولات المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة تُعد الاختبار العملي الأول لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في إسلام آباد، وسط آمال بإرساء مسار تفاوضي جديد يعالج الملفات الأكثر حساسية بين الجانبين بعد سنوات من التوتر والمواجهات غير المباشرة.

واكتمل وصول الوفدين الأميركي والإيراني إلى سويسرا، فيما بدأت الوفود الوسيطة بالتوافد للمشاركة في الاجتماعات السياسية والفنية المرتقبة، والتي يُنتظر أن تحدد ملامح المرحلة المقبلة من العلاقة بين واشنطن وطهران.

وأكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن الاجتماعات الفنية ستنطلق بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب وسطاء من باكستان وقطر، في إطار متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، والتي تنص على إطلاق مسار تفاوضي يمتد 60 يوماً مع إمكانية تمديده بموافقة الطرفين.

ويترأس الوفد الأميركي كل من المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما يضم الوفد الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي ونائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي باقري، إلى جانب مسؤولين معنيين بملفات النفط والطاقة والاقتصاد، ما يعكس أهمية البعد الاقتصادي والمالي في هذه الجولة.

وفي موازاة ذلك، وصل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى سويسرا للمشاركة في الاجتماعات، فيما توجه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى بورغنشتوك على رأس وفد رفيع يضم قائد الجيش المشير عاصم منير للمساهمة في جهود الوساطة ومواكبة المفاوضات.

ومن المنتظر أن تركز الجولة الأولى على وضع الإطار التنفيذي للمحادثات وآليات تطبيق التفاهمات السابقة، إضافة إلى مناقشة البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران وأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي لا يزال يشكل أحد أبرز ملفات التوتر في المنطقة.

وجاء انعقاد هذه الجولة بعد سلسلة تطورات إقليمية متسارعة، أبرزها تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وهو الملف الذي كانت طهران قد ربطت مشاركتها في المفاوضات بالحصول على ضمانات بشأنه قبل أن تعلن موافقتها على الانخراط في المحادثات بعد استقرار الأوضاع الميدانية.

وفي مؤشر إلى أولويات واشنطن خلال الجولة الأولى، نقل موقع “أكسيوس” عن مصدرين إقليميين أن الإدارة الأميركية تسعى إلى إنهاء الاجتماعات بالحصول على موافقة إيرانية تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المواقع النووية الإيرانية، باعتبارها خطوة أولى لبناء الثقة وإعادة تفعيل آليات الرقابة الدولية.

كما أبدت الولايات المتحدة استعدادها لاتخاذ إجراءات مقابلة، من بينها السماح لطهران بالوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، على أن تُخصص للاحتياجات الإنسانية وشراء المواد الأساسية، في إطار خطوات متبادلة تهدف إلى تعزيز فرص نجاح المفاوضات.

في المقابل، شددت إيران على أن نجاح المسار التفاوضي يبقى مرتبطاً بمدى التزام واشنطن بتنفيذ تعهداتها. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الوفد الإيراني سيطالب بتنفيذ البنود الواردة في مذكرة التفاهم، محذراً من أن الاتفاق سيكون معرضاً للخطر إذا لم تلتزم الولايات المتحدة بما تم الاتفاق عليه.

وتتزامن هذه المفاوضات مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، بعدما أعلنت إيران إعادة إغلاق المضيق أمام الملاحة، في حين أكدت القيادة المركزية الأميركية استمرار عمليات تأمين عبور السفن التجارية عبر هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.

وتُعد محادثات بورغنشتوك واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إذ لا تقتصر تداعياتها على الملف النووي الإيراني فحسب، بل تمتد إلى ملفات العقوبات والاقتصاد وأمن الطاقة وترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل الأزمات المرتبطة بلبنان والخليج والشرق الأوسط عموماً.

وتراقب العواصم الإقليمية والدولية نتائج الجولة الأولى باهتمام بالغ، باعتبارها مؤشراً على إمكانية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات والمواجهات إلى مرحلة التفاهمات السياسية، أو العودة مجدداً إلى دائرة التصعيد إذا فشلت إجراءات بناء الثقة بين الطرفين.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version