لم تكن فخامة قصر فرساي وحدها، ولا الذهب الذي يزيّن أروقته التاريخية، السبب في اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب توقيع مذكرة التفاهم مع إيران داخل أحد أبرز القصور الملكية في فرنسا. فالمكان حمل رمزية سياسية وتاريخية أعمق، تتصل بجذور العلاقة بين أميركا وفرنسا، وباللحظة التي ساهمت فيها باريس في دعم استقلال الولايات المتحدة.

وبعيد مرافقته ترامب إلى سيارته قبل مغادرته فرنسا عائدًا إلى واشنطن، أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن قصر فرساي شهد إحدى المحطات المؤسسة في تاريخ العلاقات الفرنسية ـ الأميركية، مشيرًا إلى أن بنجامين فرانكلين أقنع، في هذا القصر، الملك الفرنسي لويس السادس عشر بدعم استقلال الولايات المتحدة.

وتحمل هذه الإشارة دلالة خاصة، إذ ارتبط قصر فرساي بالمفاوضات والقرارات التي أسست للتحالف الفرنسي ـ الأميركي خلال حرب الاستقلال، حين قدّمت فرنسا دعمًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا للمستعمرات الأميركية في مواجهة بريطانيا، قبل أن تُتوّج تلك المرحلة بمعاهدات فرساي عام 1783، التي كرّست الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة.

ومن هنا، بدا توقيع ترامب مذكرة التفاهم مع إيران في فرساي أكثر من مجرد مشهد بروتوكولي داخل قصر فاخر. فالمكان الذي شهد دعم ولادة الولايات المتحدة كدولة مستقلة، تحوّل مجددًا إلى منصة دبلوماسية لحدث يقدّمه البيت الأبيض باعتباره محطة مفصلية لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد مع طهران.

وكان ماكرون قد أقام حفلًا على شرف ترامب في القصر التاريخي، واحتفل معه أيضًا بعيد ميلاده الثمانين، بحضور زوجته بريجيت. ولدى خروجه من فرساي، قال ترامب للصحافيين: “وقّعته للتو”، في إشارة إلى مذكرة التفاهم مع إيران.

ومساء الأربعاء، وقّع ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، عن بُعد، مذكرة تفاهم تلتزم بموجبها طهران بخفض درجة تخصيب اليورانيوم ضمن مفاوضات مقبلة، في مقابل رفع العقوبات الأميركية. ونشر مسؤول في البيت الأبيض لاحقًا مقطع فيديو عبر منصة “إكس” يظهر فيه ترامب وهو يوقّع الوثيقة إلى جانب ماكرون، رافعًا إبهامه ومبتسمًا.

وفي إيران، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن بزشكيان وترامب وقّعا النص، قبل أن تنشر وسائل الإعلام الرسمية صورًا للرئيس الإيراني وهو يوقّع على المذكرة.

كما أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن توقيع المذكرة يعني إعادة فتح مضيق هرمز “فورًا”، وإنهاء الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية “فورًا”، مشيرًا إلى أن مراسم الجمعة في سويسرا ستقام احتفاءً بهذا الحدث، وإطلاقًا للمحادثات الفنية بين الجانبين الأميركي والإيراني.

وكان من المقرر في البداية أن يوقّع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الاتفاق في سويسرا الجمعة، قبل أن يسبق ترامب الموعد ويوقع الوثيقة من فرساي، في خطوة منحت الحدث بعدًا رمزيًا إضافيًا، وجعلت القصر الفرنسي شاهدًا جديدًا على لحظة دبلوماسية تتجاوز حدود البروتوكول.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version