تتكثف القراءات حول موقع لبنان في مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين إيران وأميركا، وما إذا كان وقف إطلاق النار بشكل فعلي والانسحاب الإسرائيلي يشكلان جزءاً من التفاهم المنتظر، أم أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تساؤلات متزايدة حول مصير المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ومسارها في المرحلة المقبلة.

في هذا الإطار، يرى الكاتب والصحافي غسان ريفي ، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، أنه “بات واضحاً أن لبنان جزء أساسي من اتفاق التفاهم أو الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، ذلك لأن إيران أصرت على أن يكون وقف إطلاق النار في لبنان بنداً أساسياً في هذا الاتفاق، كما أن الحماقة التي ارتكبها بنيامين نتنياهو بقصف الضاحية الجنوبية يوم الأحد الماضي كانت تهدف إلى ثلاثة أمور أساسية، أولاً، أراد نتنياهو أن يؤكد للداخل الإسرائيلي أنه صاحب القرار، وليس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك رداً على الاتهامات التي وُجهت إليه بأنه يسير في ركاب ترامب ويرهن القرار الإسرائيلي له، ثانياً، كان الهدف عرقلة هذا الاتفاق وإعادة خلط الأوراق. وثالثاً، في حال لم يتمكن من عرقلة الاتفاق، كان يسعى إلى تكريس ما تسميه إسرائيل “حرية الحركة”، بما يعيد الأمور إلى ما قبل الثاني من آذار”.

ويقول: “نحن نعتقد أن إيران تعاملت مع هذا التطور بجدية، وأبلغت الوسطاء بأنها تستعد لرد قوي على إسرائيل، ما استدعى سلسلة من التدخلات والاتصالات، فتمت مقايضة هذا الرد بإدراج بند الانسحاب الإسرائيلي من لبنان إلى جانب وقف إطلاق النار، وبذلك، قدمت إيران للبنان وقفاً لإطلاق النار وانسحاباً إسرائيلياً، بضمانات أميركية واضحة أمام الإيرانيين والباكستانيين والقطريين وسائر الوسطاء الآخرين، لذلك، هناك اليوم تعهد أميركي واضح بوقف إطلاق النار وبالانسحاب الإسرائيلي”.

ويضيف: “لا شك أن ما جرى يوم أمس شكّل محاولة إضافية من قبل بنيامين نتنياهو لإعادة خلط الأوراق وضرب هذا الاتفاق عبر الضربات الإسرائيلية التي نُفذت في الجنوب، إلا أن المقاومة أثبتت أنها متمسكة إلى أبعد الحدود بثوابتها، التي تقوم على عدم العودة نهائياً إلى ما قبل الثاني من آذار، وعلى الرد على أي اعتداء إسرائيلي، مع التزامها الكامل بوقف إطلاق النار طالما التزمت به إسرائيل”.

ويتابع: “نحن اليوم أمام فترة دقيقة تمتد من الآن وحتى يوم الجمعة، موعد توقيع الاتفاق، ولا شك أن إسرائيل ستقوم بمحاولات متعددة لضرب هذا الاتفاق أو إعادة النظر فيه، لكن ما كُتب قد كُتب، وهناك معلومات تفيد بأن الاتصالات التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة أخرى، كانت عاصفة جداً، وتضمنت تحذيرات واضحة لنتنياهو بأنه إذا لم يلتزم بوقف إطلاق النار أو بخطوات الانسحاب، فإنه سيُترك وحيداً في الميدان، وعليه أن يواجه تداعيات ذلك بمفرده”.

ويكمل ريفي: “الأنظار تتجه إلى كيفية تلقّف السلطة اللبنانية لما قدّمته إيران إلى لبنان، وقد تبيّن بالأمس أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة عملا على مواكبة هذا المسار، وإن لم يتوجّها بالشكر المباشر إلى إيران، إلا أنهما عبّرا عن إشادتهما بالاتفاق وشكرا جميع الدول التي ساهمت في الوصول إلى وقف إطلاق النار”.

ويلفت إلى أن “خيار الرئيس نبيه بري كان الخيار الأكثر صواباً في كيفية التعاطي مع إسرائيل وفي مقاربة هذا الملف، إذ نصح السلطة اللبنانية بعدم الذهاب إلى المفاوضات المباشرة وعدم قطع التواصل مع إيران، إلا أن السلطة اختارت مساراً آخر لم يُفضِ إلى أي نتيجة، لذلك، وبعد تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، الذي من المتوقع أن يظهر بشكل واضح يوم الجمعة في نص الاتفاق، والذي يتضمن 14 بنداً، سيُطرح سؤال كبير في لبنان، طالما أن لبنان حصل على وقف إطلاق النار وعلى الانسحاب الإسرائيلي، فما جدوى المفاوضات المباشرة أو استمرارها مع إسرائيل؟ في السابق كان لبنان يقول إنه يتعرض للاعتداء وإنه تحت النار، وبالتالي لا يملك خياراً سوى الذهاب إلى التفاوض المباشر وطلب وقف إطلاق النار من إسرائيل، أما اليوم، فإذا جاء وقف إطلاق النار والانسحاب بضمانات واضحة، فلماذا العودة مجدداً إلى المفاوضات المباشرة؟ ولماذا السعي إلى تقديم المزيد من التنازلات؟”.

ويشير إلى أن “لبنان يمتلك اليوم ورقة قوة جديدة، ولم تعد هناك الحاجة نفسها إلى هذه المفاوضات، وربما يعيد ذلك إحياء خيار المفاوضات غير المباشرة، أو يجعل الاتصالات اللبنانية محصورة بالجانب الأميركي الذي تعهد بتنفيذ هذا الاتفاق، كما أن لبنان يمتلك اليوم حصانة سياسية وقانونية لوقف إطلاق النار وللانسحاب الإسرائيلي، لأن هذا الاتفاق يستند إلى تعهد أميركي، وإلى ضمانات من الوسطاء، وإلى إشادة من الدول الأوروبية والمجتمع الدولي، كذلك، فإن هذا الاتفاق يمنح المقاومة، وفق هذه المقاربة، شرعية الرد على أي اعتداء أو خرق، لا سيما أن إيران لوّحت بأن أي خرق لهذا الاتفاق سيُعدّ مساساً بجوهره، ما قد يدفعها إلى إعادة التلويح بأوراق الضغط التي تمتلكها”.

ويعتبر ريفي أننا “أمام مرحلة مفصلية تستدعي من السلطة اللبنانية إعادة تقييم سياساتها ومواقفها بما يتناسب مع التطورات الجديدة، خصوصاً أنه كما لا يمكن لأي سلطة في العالم أن تسحب جيشها وتجرّم مقاومتها في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، كذلك لا يمكنها أن تقاطع دولة ساهمت، وفق هذه المقاربة، في تحقيق وقف إطلاق النار والانسحاب، فيما تذهب في المقابل إلى التفاوض المباشر مع دولة لا تزال تحتل أراضٍ لبنانية”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version