قد يكون إعلان المملكة العربية السعودية، إستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، الفسحة الإيجابية الوحيدة التي يعيشها لبنان في زمن الحرب وتداعياتها الاقتصادية. فبعد نحو خمس سنوات من إنقطاع التصدير اللبناني إلى السوق الخليجية، يُعد القرار من أهم التطورات الإقتصادية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب حجم السوق السعودي، بل لأنه قد يشكل مدخلاً لعودة لبنان إلى الأسواق الخليجية عموماً.

بحسب البيان الرسمي لوزارة الخارجية السعودية “القرار هو نتيجة الخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية في طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، وما أبدته بيروت من تعاون وتقديم التعهدات المطلوبة”.

أما الفائدة المباشرة لهذا القرار فتتمثل في زيادة الصادرات وتدفق العملات الأجنبية ودعم الزراعة والصناعة. أما الفائدة الأكبر فقد تكون سياسية واقتصادية، إذ إن القرار يشكل مؤشراً على عودة الثقة الخليجية بلبنان، وقد يكون بداية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري بين لبنان ودول الخليج.

ولا تقتصر الانعكاسات الإيجابية على حركة الصادرات فحسب، بل تمتد إلى الجوانب اللوجستية المرتبطة بعبور البضائع اللبنانية نحو الأسواق الخليجية. فمن شأن تسهيل حركة الترانزيت وخفض الأكلاف التشغيلية أن يُساهم في تحسين بيئة التصدير، ما ينعكس إيجابًا على القطاعيْن الصناعي والزراعي اللذين يعوّلان على هذه الخطوة لاستعادة الزخم الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للنمو خلال المرحلة الحالية.

للتذكير كانت المملكة أوقفت كافة الواردات من لبنان في تشرين الأول 2021 بعد أزمة دبلوماسية على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني آنذاك جورج قرداحي، حول جدوى الحرب في اليمن. وكانت الرياض فرضت في نيسان 2021 حظراً على استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية بدعوى “استخدامها في تهريب المخدرات”.

ماذا يعني قرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر عن استيراد المنتجات اللبنانية في الميزان الاقتصادي؟

أولاً: زيادة الصادرات اللبنانية

السوق السعودي كان من أبرز وجهات الصادرات اللبنانية، خصوصاً المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية. ومع إعادة فتح السوق، ستتمكن الشركات اللبنانية من استعادة جزء من حصتها التصديرية التي فقدتها منذ عام 2021. فقيمة الصادرات الصناعية اللبنانية إلى السوق السعودية قبل قرار وقف التصدير، كانت تُقارب الـ 200 مليون دولار والقطاع الصناعي خسر هذا المبلغ بشكل مفاجئ، وبالتالي فإن إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات اللبنانية ستُسهم تدريجيًا في استعادة هذه العائدات، وإن كان ذلك لن يتحقق بصورة فورية نتيجة دخول منتجات وصناعات من دول أخرى إلى السوق السعودية خلال فترة غياب المنتجات اللبنانية، فالصناعات الغذائية ستكون الأكثر تأثرًا، بإعتبار أن تسويقها يعتمد بشكل كبير على وجودها في المتاجر الكبرى، ولا سيما أن هذه المتاجر تعتمد سياسات تسويقية خاصة تتطلب رسوماً تُعرف في قطاع التجزئة بـ (Listing Fees)، وهي مبالغ تُدفع مقابل إدراج المنتجات وعرضها على رفوف المتاجر.

أما الصناعات غير الاستهلاكية، فقد تتمكّن من استعادة نشاطها بوتيرة أسرع نسبيًا، إلا أنها بدورها تحتاج إلى جهود تسويقية وتجارية مكثفة، فالعمل الجاد والتسويق الفعّال كفيلان بمعالجة مختلف التحديات التي تواجهها.

ثانياً: دخول المزيد من العملات الأجنبية

أي زيادة في الصادرات تعني تدفق دولارات جديدة إلى الاقتصاد اللبناني، وهو أمر حيوي في ظل أزمة شح العملات الأجنبية التي يعاني منها لبنان منذ عام 2019.

ثالثاً: دعم القطاع الزراعي

يُعد القطاع الزراعي من أكبر المستفيدين، لأن السعودية والخليج كانا يستوعبان نسبة كبيرة من صادرات الفواكه والخضار اللبنانية. وإعادة فتح هذه الأسواق ستخفف الضغوط عن المزارعين وتساعد على تصريف الإنتاج وتحسين الأسعار. فحالة الكساد التي يعاني منها القطاع الزراعي اليوم، إلى جانب التراجع الذي تشهده أسعار بعض المحاصيل الزراعية، ستبدأ بالانحسار مع إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، ما من شأنه أن يعيد القيمة إلى العديد من الزراعات، ولا سيما الخس والفواكه بمختلف أنواعها.

تجدر الاشارة إلى أن السوق السعودية كانت تستحوذ على نحو 50 في المئة من إجمالي الصادرات الزراعية اللبنانية إلى الدول العربية.

رابعا : خلق فرص عمل

ارتفاع الطلب على المنتجات اللبنانية سيؤدي إلى تنشيط قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والتوضيب والتخزين، ما قد يساهم في خلق وظائف جديدة أو الحفاظ على الوظائف القائمة.

خامسا: رسالة ثقة سياسية واقتصادية

الأهمية لا تقتصر على التجارة. فالقرار السعودي يُنظر إليه أيضاً كرسالة دعم للحكومة اللبنانية الجديدة وإشارة إلى تحسن العلاقات بين بيروت والرياض، ما قد يشجع مستثمرين خليجيين وعرباً على إعادة النظر في الاستثمار في لبنان.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version