كتبت جويس الحويس في موقع Jnews Lebanon
لم تكن الإطلالة الأخيرة للمرجعية الرئاسية الأولى عبر شبكة “سي إن إن” الأميركية مجرد مناورة إعلامية في توقيت حرج، بل مثّلت، وفق تمنهج القراءة السياسية، صياغة لـ “عقيدة سيادية جديدة” تتجاوز أدبيات التسويات التقليدية التي حكمت لبنان طوال العقود الماضية.
هذا الموقف، الذي جاء في الجزء الثاني من المقابلة وسط تقاطعات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وضع حداً حاسماً لـ “ازدواجية السلطة” التي عطلت المفهوم البنيوي للدولة، معلناً بوضوح نقض معادلات الساحات المشتركة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية كقناة حصرية ووحيدة لإدارة الأزمات والتفاوض الدولي.
اقرأ أيضاً خاص- بمباركة عون وعيسى.. تفاصيل المخطط الأميركي السري لـ “تطهير” القرى الحدودية!
تفكيك شيفرة التحذير الرئاسي: فك الارتباط الهيكلي
تفيد القراءة التحليلية التي أجرتها مصادر Jnews Lebanon مع دوائر ديبلوماسية، بأن المقاربة الرئاسية لملف السلاح غير الشرعي تجاوزت الجدل السياسي المحلي لتلامس العمق السوسيولوجي للبلاد. إن التشديد الرئاسي على أن “الرفض الممنهج لتسليم السلاح أو الاندراج تحت عباءة الدولة سيقود حتماً إلى عزلة شعبية وفك ارتباط مجتمعي”، يمثل رصداً دقيقاً لتحولات المزاج العام اللبناني الذي لم يعد قادراً على استيعاب كلفة الاستراتيجيات العابرة للحدود.
وتشير المعطيات المتقاطعة لموقعنا إلى أن الخطاب الرئاسي تعمّد التمييز بين المكونات المجتمعية اللبنانية وبين البنى التنظيمية المسلحة، معتبراً أن مظلة الشرعية تظل الخيار الأكثر أماناً لدمج الجميع في كنف القانون. وفي هذا الطرح إدانة ضمنية وباردة للمسارات الارتجالية التي جرّت البلاد إلى منزلقات الدمار الشامل والنزوح المليوني، دون حيازة تفويض دستوري أو غطاء وطني جامع.
اقرأ أيضاً خاص- عون يقطع حبل السرة مع طهران والمثلث اللبناني بواشنطن يتدخل
مصادر ديبلوماسية لـ Jnews Lebanon: استعادة مركزية القرار التنفيذي
على الصعيد الهيكلي للدولة، كشفت مصادر سياسية ومطلعة في تصريحات خاصة لـ Jnews Lebanon، أن الحراك المتناغم بين رأسي السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة) في هذه المرحلة، نجح في قطع الطريق أمام سيناريوهات “التحلل المؤسساتي” ومحاولات تحويل العاصمة اللبنانية إلى وادٍ معزول أو ساحة ملحقة بالمحاور الإقليمية، على غرار النماذج المتطرفة في الإقليم.
وأوضحت هذه المصادر لموقعنا أن المعادلة الجوهرية التي أفرزتها هذه الديناميكية تتمثل في تحول السلطة الإجرائية من حالة “المفعول به” تفاوضياً وميدانياً، إلى حالة “الفاعل الدستوري” الذي يقود الديبلوماسية الهجومية ويمسك بزمام القرار السيادي من موقع القوة والندية، متحرراً من أي قيود أو إملاءات تفرضها ميليشيا الأمر الواقع.
وترى المصادر أن اختيار منصة إعلامية دولية بهذا الحجم لصياغة هذه الطروحات، شكّل رسالة بالغة الأثر لصناع القرار في العواصم الغربية، وتحديداً واشنطن. الإشارات الرئاسية المتتالية حول وجوب البدء الفوري في “فكفكة الهياكل الموازية للدولة” وفرض حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في دعم المؤسسات الشرعية. وفي هذا السياق، تكشف الأوساط أن التوجه نحو صياغة مشروع قانون “حصرية السلاح” في القنوات الدستورية لم يعد مجرد ترف سياسي، بل هو المدماك الأساسي لبناء استقرار سياسي واقتصادي مستدام، يحظى بتأييد واسع من بيئات وطنية عابرة للاصطفافات الطائفية.
اقرأ أيضاً خاص- “إنزال شرعي” في الشمال.. كواليس ليلة تشغيل المطار البديل!
تفاوض من موقع السيادة
تجمع الأوساط الأكاديمية والسياسية المستقلة لـ Jnews Lebanon على أن السلوك الرئاسي الحالي يمثل قطيعة إيجابية مع إرث الانكفاء الذي وسم بعبدا لسنوات. فالجهوزية الرئاسية المعلنة لـ “الذهاب إلى أي مكان في العالم” تأتي انطلاقاً من مبدأ صون “القرار الحر والمستقل”، وليس لتقديم تنازلات أو استجداء حلول.
لقد كرست هذه المقابلة حقيقة تفاوضية واضحة: لبنان يفاوض بأصالته الدستورية وليس بالنيابة عن قوى إقليمية أو منظمات مسلحة. ومن هنا، تكتسب المرجعية الرئاسية الحالية مشروعيتها كصوت معبّر عن وجدان الدولة وهيبتها، لتعيد صياغة المشهد تحت شعار التمسك بـ “احتكار العنف المشروع” بيد القوى العسكرية الشرعية، وهي الخطوة الحتمية والوحيدة التي تجعل من الدولة “واثقة الخطوة” في مسار استعادة سيادتها الكاملة.
