شكّل قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ المذكرة الإدارية الصادرة عن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، والقاضية بمنع العاملين في القطاع التربوي من نشر أو إعادة نشر أو تداول أي محتوى ذي طابع سياسي على وسائل التواصل الاجتماعي، محطة قانونية بارزة أعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود السلطة الإدارية وحرية التعبير المكفولة دستورياً.

فالقرار القضائي الذي صدر بإجماع الهيئة المؤلفة من رئيس المجلس القاضي يوسف الجميل والمستشارين القاضيين كارل عيراني ولمى ازرافيل، جاء استجابة للطعن الذي تقدّم به الأستاذ المتعاقد في الجامعة اللبنانية المحامي الدكتور جاد طعمة بالأصالة عن نفسه وبوكالته عن رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي الدكتورة نسرين شاهين، طالبين وقف تنفيذ وإبطال المذكرة الإدارية رقم 27/م/2026 الصادرة في 15 نيسان الماضي.

واعتبر المستدعيان في مراجعتهما أن القرار الوزاري تجاوز حدود السلطة الممنوحة للإدارة، من خلال فرضه حظراً شاملاً على التعبير السياسي حتى خارج نطاق الوظيفة العامة، بما يشكل مساساً مباشراً بحرية الرأي والتعبير التي يكفلها الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية التي انضم إليها لبنان.

كما استند الطعن إلى جملة أسباب قانونية، أبرزها مخالفة المادة 13 من الدستور اللبناني والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى افتقار القرار إلى معايير واضحة تحدد المقصود بالمحتوى السياسي أو بمفهوم الإساءة، الأمر الذي يفتح الباب أمام التفسيرات والاستنسابية في التطبيق.

في المقابل، دافعت الدولة اللبنانية عبر هيئة القضايا في وزارة العدل عن المذكرة، معتبرة أنها صدرت في ظروف استثنائية هدفها الحد من خطاب التحريض الطائفي والمذهبي والسياسي والحفاظ على السلم الأهلي والانتظام العام، واستندت في ذلك إلى أحكام المادة 15 من نظام الموظفين. كما دفعت بعدم جواز وقف تنفيذ القرار باعتباره، بحسب وجهة نظرها، قراراً تنظيمياً يتعلق بحفظ النظام والأمن العام.

إلا أن مجلس شورى الدولة خلص، بصورة أولية، إلى توافر الشروط القانونية المنصوص عليها في المادة 77 من نظامه، والتي تجيز وقف التنفيذ عندما يكون من شأن القرار المطعون فيه إلحاق ضرر بليغ بالمستدعي، وعندما ترتكز المراجعة على أسباب جدية وهامة، وعليه قرر بالإجماع وقف تنفيذ المذكرة إلى حين البت بأساس النزاع.

وعقب صدور القرار، اعتبرت شاهين في حديثٍ لـ”ليبانون ديبايت”، أن ما تحقق يشكل انتصاراً للحريات العامة وليس انتصاراً شخصياً، مؤكدة أن القرار أعاد الاعتبار لحق الأساتذة في التعبير عن آرائهم والدفاع عن قضاياهم ومطالبهم من دون الخضوع لأي إذن مسبق أو قيود إدارية مخالفة للدستور.

ورأت شاهين أن الحكم القضائي يمثل انتصاراً لكل معلم وأستاذ ومتعاقد شعر بأن صوته مستهدف أو مهمّش، مشددة على أن القضاء اللبناني أثبت مجدداً قدرته على حماية الحقوق والحريات ووضع حد لأي تجاوز للسلطة.

كما لفتت إلى أن هذا القرار يشكل الانتصار الثالث لها أمام مجلس شورى الدولة، بعد نجاحها في مراجعات سابقة ضد قرارات صادرة عن وزراء سابقين، معتبرة أن اللجوء إلى القانون والمؤسسات يبقى السبيل الأكثر فاعلية للدفاع عن الحقوق.

ولم يخلُ بيان شاهين من رسائل سياسية ونقابية واضحة، إذ ربطت بين القرار القضائي والتحركات التي خاضها آلاف الأساتذة المتعاقدين خلال السنوات الماضية، معتبرة أن أصواتهم التي لم تلقَ استجابة لدى المسؤولين وجدت صداها أخيراً في القضاء، الذي أنصفهم وأكد أن الحقوق والحريات لا يمكن تقييدها بقرار إداري.

ويُنتظر أن يشكل قرار وقف التنفيذ محطة مفصلية في النقاش الدائر حول العلاقة بين مقتضيات الوظيفة العامة وحرية التعبير، كما قد يرسم حدوداً أوضح لصلاحيات الإدارات العامة في تنظيم سلوك العاملين لديها، ولا سيما في الفضاء الرقمي، إلى حين صدور الحكم النهائي في أساس الدعوى.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version