سقط السؤال حول ما إذا كانت إيران سترد على إسرائيل، وأصبح السؤال: ماذا بعد الرد؟ وكيف ستنعكس نتائجه على مسارات الحرب المفتوحة في لبنان؟ فالضربة الإيرانية الأخيرة جاءت لتقول إن قواعد الاشتباك التي سادت طوال الأسابيع الماضية لم تعد صالحة كما هي، خصوصاً في لبنان.
ما أرادت طهران تثبيته، والرسالة الأساسية لتدخلها، كانت أن الساحات لم تعد قابلة للفصل، وأن استمرار العدوان في أي جبهة أساسية ضمن محور المواجهة سيحمل معه احتمالات اتساع الاشتباك إلى جبهات أخرى. وفي هذا السياق تحديداً، دخل جنوب لبنان، بعد هذه الجولة من الحرب، بصورة أوضح ضمن المعادلات الجديدة التي يجري تثبيتها بالنار والسياسة معاً، بعدما حاولت أميركا تضييق الخناق على إيران انطلاقاً من الساحة اللبنانية.
بحسب مصادر متابعة، فإن إيران أبلغت عبر قنوات متعددة أن استمرار الحرب الإسرائيلية في لبنان، وجنوب لبنان تحديداً، سيؤدي إلى تفعيل المعادلة الجديدة التي أطلقتها بعد نهاية هذه الجولة خلال الأيام المقبلة، ما لم يتم التوصل إلى إنهاء فعلي وشامل للحرب في لبنان. فالمطلوب ليس تجميداً للمعارك في بقعة جغرافية محددة كبيروت والضاحية، بل معالجة متكاملة تشمل مختلف الجبهات التي باتت مترابطة بحكم الوقائع الميدانية والسياسية.
في المقابل، تشير معلومات متداولة إلى أن الولايات المتحدة، التي فوجئت بحجم الرسائل التي حملها الرد الإيراني، سارعت إلى فتح خطوط التواصل مع طهران، طالبة منحها بضعة أيام إضافية للعمل على تحقيق وقف إطلاق نار كامل في لبنان ومنع انزلاق الأمور نحو تصعيد جديد مع إسرائيل. وترى المصادر أن الخشية الأميركية لا تتعلق فقط بتوسع الحرب، بل بإمكانية فقدان القدرة على التحكم بإيقاعها بعد أن بات هامش المناورة أضيق بكثير مما كان عليه في السابق، وهي التي لا تريد عودة الحرب في هذه المرحلة.
هذه الحركة الأميركية انعكست أيضاً على الساحة اللبنانية، فقد حملت زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى عين التينة أجواء المساعي الجارية، فيما تسلّم في المقابل ملاحظات رئيس مجلس النواب نبيه بري على ما بات يُعرف بـ”إعلان واشنطن”. وبحسب مصادر مطلعة، فإن بري قدّم سلسلة من الملاحظات الجوهرية المرتبطة بمضمون الإعلان وآليات تنفيذه وضماناته، انطلاقاً من أولوية واضحة تتمثل بوقف العدوان الإسرائيلي بشكل كامل ومنع تكريس أي صيغة تمنح إسرائيل حرية استئناف الاعتداءات تحت أي عنوان، أو الإبقاء على الاحتلال.
وتؤكد المصادر أن السفير الأميركي تلقف هذه الملاحظات بإيجابية، وأبدى تفهماً للهواجس المطروحة، مشيراً إلى أن إدارته ستعمل خلال الأيام المقبلة على معالجة النقاط الخلافية ومحاولة الوصول إلى صيغة تتيح إنتاج حل قابل للحياة.
غير أن نجاح هذه المساعي يبقى مرتبطاً بمدى استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات فعلية تتجاوز الحسابات التكتيكية والرهانات على كسب الوقت، وهي التي سيكون من الصعب عليها تقبل المعادلات الجديدة.
في جوهر المشهد، يبدو أن المنطقة تقف أمام امتحان صعب، فإما أن تنجح الجهود السياسية في فرض التهدئة الشاملة، وإما أن يؤدي التعثر إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة عنوانها توسيع المعادلات مجدداً.
