كتبت د. بولا ابي حنا في نداء الوطن
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الساحات الأمنية من لبنان إلى الخليج ضمن ظلّ المواجهة الأميركية – الإيرانية، تبرز باكستان كطرف يُعاد اكتشافه أكثر مما يُعاد تعريفه، في سياق بحث متصاعد عن قنوات غير تقليدية لإدارة الأزمات.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى باكستان باعتبارها مجرّد محطة تعاون عسكري اعتيادي. فالزيارة، وإن كانت تحمل طابعًا تقنيًا واضحًا، تأتي في سياق لبناني وإقليمي دقيق، حيث يواجه لبنان تحديات أمنية متصاعدة، ويُعاد فيه النظر في دور المؤسسة العسكرية كأحد أعمدة الاستقرار الأساسية في البلاد.
لكن أهمية هذه الزيارة لا تتوقف عند بعدها الثنائي، بل تمتد إلى السياق الأوسع الذي تتحرك فيه العلاقات الدولية اليوم، حيث لم تعد الوساطات محصورة بالدبلوماسية التقليدية، بل باتت تتوسع نحو أشكال أكثر مرونة وغير معلنة من التواصل بين الأطراف المتنازعة.
في هذا السياق، يمكن قراءة الحدث على ثلاثة مستويات مترابطة.
على المستوى الأول، وهو المستوى العسكري – التقني، تأتي الزيارة في إطار واضح من التعاون بين الجيشين، يشمل التدريب وتبادل الخبرات، وربما تطوير مجالات الدعم اللوجستي والتقني. وتكتسب باكستان في هذا السياق أهمية خاصة، باعتبارها تمتلك خبرة متقدمة في مكافحة الإرهاب، وإدارة الحدود، والعمليات غير التقليدية، وهي مجالات تمثل أولوية ملحّة للجيش اللبناني في ظل الضغوط الأمنية المتصاعدة.
أما على المستوى السياسي – الدبلوماسي، فإن هذا الانفتاح يعكس حاجة لبنان إلى تنويع شراكاته وعدم الاكتفاء بالمسار الغربي التقليدي. فباكستان، من جهة، تحتفظ بعلاقات وثيقة مع دول الخليج، ومن جهة أخرى لا تدخل في حالة عداء مباشر مع إيران، ما يجعلها طرفًا قادرًا على التحرك في مساحة توازن دقيقة، من دون أن تُصنّف كخصم لأي محور إقليمي رئيسي. غير أن هذا لا يعني أنها تشكّل “وسيطًا مقبولا من الجميع” بشكل مطلق، بل هي أقرب إلى طرف غير مستفز نسبيًا في شبكة علاقات معقدة.
وعلى المستوى الثالث، وهو المستوى الإقليمي الأكثر حساسية، تأتي الزيارة في سياق يتسم بتصاعد التوتر في أكثر من ساحة، من الجنوب اللبناني إلى تفاعلات المواجهة الأميركية – الإيرانية الأوسع. في هذا الإطار، يصبح أي تحرك خارجي للمؤسسة العسكرية اللبنانية قابلا للقراءة ضمن توازنات أكبر، حتى وإن كان في جوهره تقنيًا أو تدريبيًا.
هذا التشابك لا ينفصل عن طبيعة المشهد الإقليمي، حيث ترتبط الساحات المحلية بمنظومة أوسع من التفاعلات بين واشنطن وطهران وتل أبيب، ما يجعل أي نقاش حول دور الجيش اللبناني أو علاقاته الخارجية محكومًا بهذا الثلاثي المعقد. وفي هذا السياق، يظهر دور الولايات المتحدة في دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، في مقابل قيود سياسية وميدانية ترتبط بالواقع الأمني وبحسابات إسرائيلية تسعى إلى ضبط إيقاع الحركة العسكرية على الحدود من دون السماح بانفلاته.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم الانفتاح على باكستان كجزء من سياسة تنويع الشراكات العسكرية، وليس كتحول استراتيجي في بنية التحالفات. لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول موقع باكستان في النظام الإقليمي المتغير.
فالدولة التي أسسها محمد علي جناح لم تُبنَ كقوة صاعدة تقليدية، بل كدولة توازن بين محيط إقليمي شديد التعقيد وشبكات دولية متعددة الاتجاهات. ومع تطور دور المؤسسة العسكرية بقيادة عاصم منير، باتت باكستان تمتلك قدرة أكبر على التحرك في مساحات تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع القنوات الدبلوماسية غير المباشرة.
ومن اللافت أن النشيد الوطني الباكستاني، المكتوب بالأوردو والمشحون بمفردات ذات جذور فارسية، يعكس طبقات ثقافية وتاريخية متراكمة في هوية الدولة الباكستانية، حيث تتداخل التأثيرات اللغوية الهندية والفارسية والإسلامية في بنية رمزية واحدة. هذا التداخل لا يُقدَّم هنا كعنصر سياسي مباشر، بل كمؤشر إلى طبيعة تشكّل الهوية الباكستانية نفسها، التي نشأت في بيئة متعددة المرجعيات الثقافية والتاريخية، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على أسلوب توازنها في علاقاتها الإقليمية والدولية.
لكن، رغم هذا الحضور المتزايد، يبقى من الضروري التمييز بين الإمكانية النظرية والدور الفعلي. فباكستان، رغم امتلاكها شبكة علاقات تشمل الخليج والولايات المتحدة وإيران بدرجات متفاوتة، لا تزال بعيدة من امتلاك قدرة وساطة مباشرة في ملفات معقدة مثل لبنان. فهي ليست طرفًا مرفوضًا، لكنها أيضًا ليست فاعلا مركزيًا في ميزان القوى الإقليمي.
ومن زاوية أخرى، فإن فكرة أن تكون باكستان “مقبولة من الجميع” تحتاج إلى تدقيق، إذ إن إسرائيل لا تتعامل معها كوسيط طبيعي، فيما تنظر إليها إيران ضمن حدود براغماتية من دون تفويض سياسي واضح، ما يجعل موقعها أقرب إلى منطقة رمادية منه إلى قبول شامل.
في هذا الإطار، لا يظهر الدور الباكستاني كبديل من القوى الكبرى، بل كعنصر مساعد محتمل أكثر منه لاعبًا رئيسيًا، سواء عبر التدريب العسكري، أو عبر قنوات تواصل غير مباشرة، أو من خلال المساهمة في تخفيف التوترات في مساحات محددة من دون الدخول في صلب التسويات السياسية.
أما البعد الطائفي الذي يُشار إليه أحيانًا في النقاشات العامة، فلا يعكس بالضرورة وظيفة سياسية حقيقية في بنية الدولة الباكستانية، التي، رغم تعدد مكوناتها، لا تبني سياستها الخارجية على أسس مذهبية، بل على توازنات استراتيجية معقدة مع الخليج وإيران والغرب في آن واحد.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان تحولا استراتيجيًا في موازين النفوذ، لكنها أيضًا ليست حدثًا أو تفصيلا عابرًا. فهي تعكس ثلاث طبقات متداخلة: تعاونًا عسكريًا ضروريًا، وانفتاحًا دبلوماسيًا محسوبًا، وسياقًا إقليميًا مضطربًا يعيد تشكيل طرق إدارة الأزمات.
ويبقى العامل الحاسم في النهاية هو أن الملف اللبناني، خصوصًا في شقه الأمني الجنوبي، لا يزال محكومًا بتوازنات ثلاثية كبرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ما يجعل أي دور خارجي جديد، بما فيه الباكستاني، دورًا ثانويًا أو تكميليًا في أفضل الأحوال، وليس بديلا من مراكز القرار الفعلية في المنطقة.
وبين هذه التوازنات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نشهد فقط إعادة ترتيب لشبكات التعاون، أم بداية بطيئة لتوسيع دائرة اللاعبين القادرين على العمل في الظل من دون أن يكونوا في قلب المشهد؟

